إلى أين وصلنا …

18
ليس التاريخ كما قرأناه، يكفي أن تتصفح عدداً واحداً من مجلاتٍ وصحف صدرت قبل العام ١٩٦٣، حتى تتأكد أنه كان هناك حياةً على هذه البقعة من الأرض، وكان هناك بشراً لايرغبون بالرحيل، وتعليماً محترماً، وشوارعٌ نظيفة، ورغيف خبز، وفائضٌ من المحروقات.
اعتدتُ اقتناء الصحف والمجلات القديمة، لامكان بمكتبي أو بمنزلي لجريدةٍ لا يتجاوز عمرها الخمسون، اصفرارُ الورق كشيب الشعر وتجاعيد الوجه، يعطي الصفحات مصداقيةً أكبر، ربما لأن أصحابها قد تقاعدوا ورحلوا لدنيا غيرِ هذهِ الدنيا، ولم يعودوا يخافوا من اعتقالٍ أو اغتيال.
آلمني كم احتلت صورُ جامعة دمشق، بكُليَّتيها الطب والحقوق، صورُ أغلفة المجلات، كم كان لهذه البقعة من الأرض فخرٌ بجامعة يعودُ تاريخ كلية الطب فيها إلى العام ١٩٠٣، وكلية الحقوق فيها إلى العام ١٩١٩، عَلمت بالمجان منذُ تأسيسها، واستقطبت غالبية طلاب الدول العربية، درسوا فيها، حصلوا على شهادتها، وافتخروا أنهم يوماً تعلموا على يدِ أساتذتها.
يقولُ سامي بك الميداني حينما كان رئيساً لجامعة دمشق عام ١٩٥٤، وهو يتحدث عن مُدرسي الجامعة ((إن معظم المدرسين في الجامعة السورية هم من خريجي كليات مختلفة في سويسرا وفرنسا والولايات المتحدة، وبذلك تكون دراسة الطلاب كاملة شاملة للأحكام المرعية والنظريات المختلفة في أهم البلدان ذات الثقافات المختلفة)).
اليوم تبحث على محرك البحث العالمي الخاص بالجامعات وتصنيفها، تجد أن جامعة دمشق تحتل المرتبة ٣١٧٣ عالمياً، و ١٢٠ عربياً، وشقيقاتها في حلب وغيرها من المحافظات السورية لسنَّ بأحسنِ حظٍ منها.
لقد انحدر التعليم، وباتت أسواقُ بيعِ الملابس الداخلية تلقى رواجاً على جدرانِ جامعة دمشق، أكثر بكثير منا تلقى بهِ هذه الجامعة رواجاً … فلماذا وصلنا إلى هنا وكيف؟ المشكلة أن مواقع تصنيف الجامعات لاتجيبُ عن الأسئلة، تعطيكَ صفعة رقم التصنيف وتصمت، وعليك أنت أيها القاطنُ هنا والمُتعلم هنا البحثَ عن السبب.
أحمد وليد منصور
جديد الجمعية