« أبولودور الدمشقي »


(نحو 60 - 125م)
    أبولودوروس Apollodorus في اليونانية يعني «هبة أبولو» ويقابله في الآرامية «زبندبو» وهو اسم شاع استعماله في بلاد الشام بعد الاسكندر. ولد المهندس المعمار أبولودوروس الدمشقي في دمشق وعاش في رومة شطراً من حياته ومن المرجح أنه مات مبعداً عنها وهو في قمة عبقريته وكمال شخصيته. فرض أبولودوروس على المجتمع الروماني احترامه وتقدير مواهبه. وفي عهد الامبراطور الروماني ترايانوس أو تراجان Trajanus أو Trajan
(98-117م) تبوأ منصباً يعادل منصب وزير الأشغال العامة أو المشاريع الكبرى في لغة اليوم. وهو يعدّ واحداً من أفذاذ المعماريين الذين عرفهم التاريخ القديم. كان مبدعاً جَسوراً يتصدى بنجاح لأكثر المعضلات التقنية والفنية تعقيداً. ويتضح من تمثاله النصفي الموجود حالياً في متحف ميونيخ أنه كان متين البنية مهيباً متوازن الشخصية نبيل القسمات وتلوح على وجهه سمات شرقية واضحة. وثمة أعمال كثيرة له باقية وأخبار عن عمله الرسمي. ولكن المعروف من سيرته الشخصية قليل وفي هذا المجال يقول ويلر Wheeler في كتابه عن الفن الروماني «إن أبولودوروس الدمشقي الذي يكمن اسمه خلف أعظم المنجزات في عهد الامبراطور ترايانوس يظل لغزاً من الألغاز».
    تأثر أبولودوروس الدمشقي في موطنه الأصلي بروائع العمارة وحمل إلى رومة روحاً جديدة في العمارة والفن، ويذكر تاريخ كمبردج القديم أن بعض العلماء يعتقدون «...بأن سورية في مجال العمارة كانت متقدمة على رومة في عبقريتها المبدعة وفي معارفها التقنية وفي مهارة عمالها، ويفترض أن أبولودوروس الدمشقي قد اقتبس مخططات المباني في سفح رابية الموبريناليس من موطنه الأصلي».
    كان أبولودوروس الدمشقي والامبراطور ترايانوس صديقين حميمين، ويظن أن عهد صداقتهما يعود لأيام كان فيها ترايانوس محامياً عسكرياً في سورية في حقبة ولاية والده عليها. وعندما تسلّم ترايانوس عرش الامبراطورية الرومانية، كانت قد اشتهرت فيها شخصية فنية مبدعة هي شخصية أبولودوروس الدمشقي.
    ومن المؤسف أن منجزات أبولودوروس في موطنه الأصلي ، قبل وجوده في رومة أو في أثنائه، مجهولة لايعرف أحد شيئاً عنها. أما أعماله في رومة، وفي أجزاء أخرى من الامبراطورية الرومانية، فمعروفة ومشهورة وما بقي منها يقارب خمسة عشر أثراً أهمها ما يلي:

    السوق الترايانية (سوق تراجان): كلف الامبراطور ترايانوس المعماري أبولودوروس إنشاء سوق في رومة تحمل اسمه، وذلك نحو 108- 109م. وقد اعترضت المهندس مشكلة هي وجود رابية الكوبريناليس في الجهة الشرقية من الأرض المعدة للمشروع، إذ إن هذا المرتفع يعوق الحركة ويشوه المنظور العام، من جهة، ويحدث انهيارات، من جهة ثانية. وقد وفق أبولودوروس إلى حل يحقق الغايتين الجمالية والعملية في وقت واحد، فاقتطع حافة الرابية وأنشأ مكانها سوقاً مجمَّعة ومسقوفة، وفق الأسلوب الشرقي، وجعلها على شكل قوس كبيرة تتدرج عند الرابية بطوابق ستة، تضم نحو 150 دكاناً. وتنفتح دكاكين الطابق الثالث على طريق سًميت «فيابيبيراتيكا» (أي البزورية) وتضم السوق فضلاً عن ذلك مقراً لمتولّيها، وقاعة للاجتماعات والمزاد، وصالة بيع شعبية بأسعار مخفضة، وغير ذلك.
    إن سوق أبولودوروس، التي ماتزال ماثلة في رومة، حققت في حينها مركزاً تجارياً واجتماعياً كبيراً في أقل مساحة ممكنة، وظلت حلاً يستهوي المصممين في كل العصور من حيث البساطة والجمال والفائدة القصوى، كما أنها منعت انهيار أطراف الرابية، فضلاً عن أنها خلقت خلفية بديعة لذلك المجمع المعماري (الفوروم) الضخم.
    الميدان التراياني (ميدان تراجان): بُعيد البدء في بناء السوق أو في وقت واحد معه، بدأ أبولودوروس العمل في «الميدان التراياني» وقد أنجزه عام 112م فأزرى بكل ماعداه من ميادين في رومة وفي العالم: إذ تزيد مساحته على خمسة أضعاف مساحة ميدان الامبراطور أغسطس. أما من حيث الجمال فهو، كما ورد في تاريخ كمبردج القديم، «أعجوبة كل العصور». ومن المحتمل، في رأي بيانكي باندينيللي، أنه استوحاه من الساحة الرحيبة المروَّقة التي كانت تحف بمعبد جوبيتر في دمشق.
    ضم هذا الميدان، الذي يبلغ طوله 300متر وعرضه 185متراً، مساحة رحيبة، وأواوين، وقوس نصر، وعموداً تذكارياً عملاقاً،وتمثالاً فروسياً، وداراً للعدل، ومعبداً، وتفاصيل معمارية وزخرفية رائعة سكبت على أرفع ما يكون من الانسجام والتناسق. وتضافر ذلك كله ليجعل منه مجمَّعاً باهراً سُحر به القدماء وتمنى الملوك نظيره، وعدّ «واحداً من أروع لآلئ الفن الروماني».   
    عمود ترايان: طلب الامبراطور ترايانوس من أبولودوروس الدمشقي أن يشيد له عموداً يتخذه شاهد قبر له وذكرى للمنشآت البديعة المنفذة في هذا الميدان الرائع، فقادته عبقريته الفذة إلى تصميم عمود لم يسبق له مثيل في تاريخ الفن العالمي، وأتمه في عام 113م. يرى النقاد أن هذا العمود العملاق طوله (33 متراً) المزين بإفريز حلزوني منحوت يدور حول جذعه، يكاد يكون فلماً تسجيلياً. ولعل أبولودوروس قد استوحى نماذج نحتية من الأوابد الآشورية في بلاده الأصلية. ويروي الإفريز الدائر بالعمود بطول 200م قصة الحربين اللتين خاضهما ترايانوس في داكية (رومانية) ما بين  101 - 106م. وهو يسرد بالنحت أدق تفاصيل الاستعداد للحرب والمعارك والأزياء والأسلحة وأجناس المحاربين ومنهم الرماة التدمريون. يقول ويلر: «إن هذا الشريط هو الأعظم بين إنجازات الفن التاريخي الروماني وإن العمل يسير فيه متتابعاً من غير تردد، ومن مرحلة إلى أخرى، والنحات يبرهن فيه على تمكن تام وعلى حساسية فائقة». وقد جرى تقليد هذا العمود مرات عدة. ففي عهد الامبراطور أركاديوس (408م) بُني عمود مماثل في القسطنطينية. وهناك عمود برونزي مشابه في كاتدرائية هيلدسهايم في هانوفر بني سنة 1022م تقليداً له، وتمثل المنحوتات فيه حياة السيد المسيح. وفي فرنسة أقيم عمود فاندوم تخليداً لحملات نابليون، ونقوشه البارزة تقليد للأسلوب المستمر في عمود ترايانوس.
    الجسر العملاق على الدانوب: كان أبولودوروس في الأصل المهندس الحربي للامبراطور ترايانوس وقد رافقه في حربيه في داكية وبين الحربين الداكيتين الأولى والثانية 104- 105م، ووضع تصاميم هذا الجسر وأنشأه علىالدانوب عند مضيق بوابات الحديد قرب مدينة دوبريسين الحالية في المجر مستخدماً جيشاً بتمامه مدة عام كامل تقريباً. وقد وصف أبولودوروس هذا الجسر في دراسة له ذكرها المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس Procopius.
    اعترضت أعمال بناء الجسر إقامة أساسات وركائز في سرير النهر، إذ كان من الغزارة بحيث لايمكن تحويله. ولكن أبولودوروس، ولأول مرة في التاريخ، تصدى لمثل هذا العمل الذي يتطلب جسارة تقنية عالية، فنجح في إرساء عشرين ركيزة قوية جداً في لجة النهر، ثم مد الجسر بطول 1097 متراً وبعرض يراوح بين 13 و19 متراً. وكانت فرجة القناطر بين الركائز 35- 38 متراً. وحصّن طرفي الجسر بالأبراج. وقد أزال الامبراطور إدريانوس فيما بعد سطح الجسر حتى لايستخدمه العدو، ثم أصلحه قسطنطينوس في عام   328م، ولاتزال بعض آثاره باقية.

أبولودوروس والبانتيون: إن معبد البانتيون (مجمع الأرباب) هو أهم المعابد الرومانية المستديرة الباقية، وأكثر المباني الدينية الرومانية روعة في كثير من الوجوه. وهو يتألف من جسم مستدير قطره 43.80 متراً مكون من جدار من «الكونكريت» المصفّح بالآجر سماكته ستة أمتار تقريباً. وتعلو جسم المعبد قبة رحيبة بلا رقبة ارتفاعها 83 متراً وقطرها مثله، وهي أكبر القباب في العالم القديم. وللقبة في ذروتها فتحة مستديرة قطرها 8.5 من الأمتار. ولمدخل البانتيون 16 عموداً باسقاً وجبهة مثلثة. وعند هذا المدخل يداخل المرء شيء من الثقل، وما أن يصل إلى الداخل حتى يحس بالرحابة والامتداد، والنور يتدفق من القمة فيجعل كل شيء مجسماً.
    وعلى واجهة البانتيون كتابة تذكارية تؤرخ بناء معبد أقدم منه، يعود إلى عهد أغريبا Agrippa
(63ق.م - 12ق.م). وقد تهدم في عام 80م في حريق الحي الذي يقوم فيه، فأصلحه الامبراطور دوميتيانوس ثم احترق مرة ثانية في عام 110م. وينسب إلى الامبراطور إدريانوس (117 - 135م) إقامة البانتيون على الهيئة الموصوفة بين عامي  120 - 124م. ولكن ثمة اعتراضات على نسبة البانتيون إلى إدريانوس بسبب الآجر المستعمل فيه، وطرازه المعماري العام، وهيئة قبته، وقد أصبح الآن في حكم المؤكد معمارياً وأثرياً أن البانتيون هو من منجزات أبولودوروس المشقي.
    ويرى وولف ديتر هايلماير W.D.Heilmeyer أن هذا البناء كان من إنشاء أبولودوروس، وأن تصميمه إياه يعود إلى عام 114م، وأن أسلوب بنائه هو أسلوب أبولودوروس بمزجه بين العظمة والبساطة والوضوح، وهو أسلوب يعتمد على العناصر الأفقية والعمودية وزخارف معمارية تنزع إلى أشكال عهد أوغسطس وكلها أشياء واضحة في البانتيون.
    منجزات باهرة أخرى: بين المنجزات الأخرى لأبولودوروس الحمامات التي شيدها لترايانوس على رابية الاسكويلينوس. ويرى ليون هومو: «أن الحمامات التي بناها أبولودوروس لترايانوس هي التي حددت هيئة الحمامات فيما بعد، إذ أصبح على التصميم أن يلبي حاجتين أساسيتين هما الاستخدام بأشكاله ومراحله المتعددة من جهة، والترويح والرياضة من جهة ثانية». ومن منجزات أبولودوروس قوس النصر في مدينة بنيفانتوم، وقوس النصر في مدينة إنكونا. وينسب إليه كذلك إفريز ضخم منحوت كان معداً ليقام في مكان ما من «الفوروم». ومن منجزاته أيضاً مسرح موسيقي (أوديون) في مونتي جوردانو. أما في مجال السباقات فقد أنشأ أبولودوروس حلبة بطول مرحلتين (أكثر من 300 متر) إلى الشمال من موقع مدفن إدريانوس على ضفة نهر التيبر في رومة، وكانت مخصصة لتمثيل المعارك البحرية نوماكيا Naumachia وتنسب الدراسات الحديثة لأبولودوروس تعديل مرفأ أوستيا وإنشاء حوضه المضلع الذي يشبه من حيث الشكل النماذج الهلنستية - السورية، وكذلك مرفأ «كنتوم كيللي».
    ومن أعمال أبولودوروس الشروع بتشييد المعبد المخصص لترايانوس، الذي حدد مكانه في صدر «الفوروم» وأُكمل بناؤه فيما بعد. وثمة عمل آخر يجدر ذكره هو آلات الحصار التي صممها، وقد وصلت بعض رسوم مستنسخة عنها في مخطوط بيزنطي، وبينها آلة لاقتحام الأسوار عممت في القرون الوسطى وتنسب إلى أبولودوروس. ويتضح من هذا كله أنه لم يكتف بما كان يحققه في ميادين العمارة والنحت بل ظل يمارس حتى آخر أيامه مهمته الأصلية في ميدان الهندسة العسكرية.
    نهاية أبولودوروس
    كان الامبراطور إدريانوس مأخوذاً بالعمارة الإغريقية، وله آراء في فن العمارة، ويقال إنه صمم معبد رومة وفينوس والفيلا الشهيرة باسمه فيلا أدريانا. ولم يكن على وفاق فني مع أبولودوروس الذي كان ينتقد تصاميمه فيضيق بذلك، وتمتلئ نفسه غيظاً وغضباً.
    ويرى المؤرخ الروماني كاسيوس D.Cassius أن إدريانوس، من أجل ذلك، اتهم أبولودوروس بأشياء مختلفة ونفاه ثم أمر بقتله. وبهذه المحنة تنتهي تلك الحياة الحافلة بجلائل الأعمال.


مصدر الخبر
الموسوعة العربية
معدل القراءة: 3076