أيام التراث السوري             ترشيد استهلاك المياه المنزلية في لقاء توعوي             وفاة الأستاذ الدكتور صباح قباني             فعالية أيام بيئية (سوا نحمي البيئة)             حماية اسم الوردة الدمشقية            

آراء ومقالات

تركي محمد نصر التاريخ : 2011-06-12


« جامع الحنابلة (المظفري)»

بصالحية جبل قاسيون في دمشق

مركز للاشعاع الفكري احتضن الحركة العلمية الناهضة في الشام

 

 

حي الصالحية في دمشق أثر مبارك من آثار المهاجرين الذين تركوا بلادهم في فلسطين هربا ً بدينهم من الصليبيين عام (550 ه . 1155 م ).وسميت الصالحية لانها كانت مسكنا ً للصالحين .وفيه يقول الشاعر :



الصـــــــــالحيَّة جنَّة                   والصالحون بها أقاموا

فعلى الديار وأهلها                    منِّي التحيَّة والسلام


ومسجدها أقدم آبدة أيوبية ما زالت ماثلة في دمشق الشام، قال فيه يوسف بن عبدالهادي:


بالله إن جزت الصوالح فاقرها        مني الســلام ولا تذد عن صدرها

شوقي يزيد إلى محلة أنســــــــها      والقلب منـــــــــي دائمًا في ذكرهــا

فالسهم منها قد أصاب لمهجتي       والعـين تجري مذ غدت في نهرهــا

والجامع المشهور شــملي جامعً       اوبه مدار الأنس صـــــبَّ بنُعرهـا

والروضة الفيحاء ليس كمثلها         وبها الفحول وســـــادة في قعرهـا





موقعه

يقع جامع الحنابلة خارج أسوار المدينة القديمة، في صالحيَّة دمشق الشام بحي «أبو جرش»

في زقاق الحنابلة، محاذيًا لشارع الشيخ عبدالغني النابلسي، عند السفح الشرقي لجبل قاسيون.

أسماؤه

قال يوسف بن عبدالهادي، له أربعة نِسَبْ:
الأولى: الجامع المظفَّري، نسبة للسلطان مظفر الدين كوكبوري (صاحب إربل)، زوج شقيقة السلطان صلاح الدين الأيوبي، الذي تمم بناءه، وهي أقدم تسمية للجامع وأكثرها استعمالًا عند المؤرخين، ونجدها بكثرة في السماعات التي قُرِئت في الجامع.
الثاني: جامع الجبل، لأنه في مصاعد جبل قاسيون.
الثالث: جامع الحنابلة، لأنه كان وقفًا حنبليًا.
الرابع: جامع الصالحين.

خصائصه وما قيل فيه

هو أول جامع كبير بُني في دمشق بعد الجامع الأموي.
قال ابن عبدالهادي: «الجامع المظفري أول مباني الصالحيَّة، وتاليه المدرسة العمرية».
وقال ابن كنان عنهما: «وخصهما بالذكر لما هو مشاهد من بركتهما لكل أحد، ولأنه كثر فيهما اشتغال الدروس، وهما محل الحفَّاظ والمحدثين، واجتمع فيهما ما لا يجتمع في غيرهما».
قال ابن طولون الصالحي: «مئذنة جامع الحنابلة وهي من آجر بطبقتين»



بناؤه



تشير النصوص التاريخية إلى أن الذي بدأ في بناء الجامع المظفري هو الإمام محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، الذي هاجر مع أهله سنة 550 هــ (1155م) من فلسطين، واستقر بصالحيَّة دمشق، وباشر بناءه سنة (598ه - 1202م)، بعد انتهائه من بناء دير الحنابلة، وجعله رديفًا له بمساحة (25*37).
وأنفق على بنائه تاجر يُقال له أبوداود الفامي، ثم نفد ماله فتوقف العمل ولمَّا يرتفع البناء عن مستوى القامة.
بلغ ذلك الملك المظفر كوكبوري (صاحب إربل)؛ فبعث لهم ثلاثة آلاف دينار لتتميم عمارته، كما أرسل الملك المظفر أيضًا ألف دينار لسقيا الماء إلى الجامع من قرية «برزة» المجاورة، فلم يتم ذلك خوفًا من نبش القبور في الطريق، فعوض عن ذلك بحفر بئر ماء، ووقفت عليه.
وانتهى بناء المسجد في 17 رجب سنة 610هـ.
ويذكر أن الذي تولى عمارة الجامع وأبدع فيها هو الشيخ أحمد بن يونس بن حسن المقدسي المرداوي (ت: 622هـ)، وهو من مهاجري المقادسة، وكان يُضرب به المثل في الأمانة والخير والمروءة والدين والعقل والصلاح.



وصف الجامع وتطوره


يُلاحظ أن مخطط الجامع وشكله العام قُصِد به إلى حدٍ بعيد محاكاة الجامع الأموي ومخططه وشكله، وللجامع جبهة حجرية غربية فيها الباب الغربي الكبير الذي يؤدي إلى صحن الجامع المربع الشكل الذي تتوسطه بركة ماء مربعة، وللمسجد باب آخر يواجه الباب الغربي.


كما يتوسط الجدار الجنوبي للجامع محراب حجري بديع الصنع، يكتنفه عمودان من الرخام الأبيض المجزَّع، ويقوم إلى يمين المحراب منبر خشبي، وهو آية من آيات الفن، وهو هدية من الملك كوكبوري، وقد زُين بمواضيع نباتية وهندسية تعد من روائع الفن الإسلامي، وتشير الدراسات التاريخية إلى أن منبر المسجد كان في البدء شبيهًا بمنبر مسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنورة من ثلاث درجات، إلى أن تم صنع المنبر الحالي آنف الذكر سنة 604هـ.


ويذكر المؤرخون أنه كان للمسجد مئذنتان تهدمت إحداهما، وبقيت الأخرى المعروفة بالمئذنة الشمالية خلف البئر مما يلي الجبل، يعود بناؤها إلى سنة 610هـ في عهد الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وهي مربعة الشكل بطول 18.80م.
والخلاصة أن الجامع أحد روائع دمشق بمخططه وزخارفه الفريدة من نوعها.
وكانت له أوقاف جيدة، وتضاف له أوقاف المساجد والجوامع الأخرى، لما له من الشهرة والقدسية.
وقد أصاب الجامع نكبات كثيرة ومتوالية، ابتداءً من هجوم قازان سنة 699هـ، وما تلاه من هجمات التتار الوحشية، التي انتهت سنة 803هـ، ثم كانت فتنة جان بردي الغزالي بعد موت السلطان سليم الأول.

وقد رُمِّم الجامع في السبعينيات، ولا يزال يحافظ على مخطط بنائه القديم، وعلى معظم أقسامه الرئيسية.


مكتبة الجامع

كان للجامع مكتبة صغيرة موقوفة عليه، ومعظم الحنابلة كانوا يقرأون دروسهم فيها، وتضم مجموعة من الكتب الفقهية الحنبلية، والكتب الحديثية، إضافة إلى كتب في العلوم الأخرى، غير أن النكبات التي أصابت الجامع أثرت فيها، ولعل صغرها يعود إلى وجود مكتبتين كبيرتين متجاورتين في دار الحديث الضيائية والمدرسة العمرية.(الواقعة أمامه)

أئمة الجامع وخطباؤه

الإمام والخطيب فيه هو مدرس ومقرئ ومربٍ وموجه، ولا يكتفي بما أُسنِد إليه بل يهب حياته كلها للعلم وخدمة الناس، وهذا ما قام به أول إمام وخطيب له وهو أبوعمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، عميد المقادسة في دمشق، ثم تابع عمله أخوه الإمام موفق الدين المقدسي، فأمَّ وخطب ودرَّس وساعده ابنه الشيخ عيسى، ومن بعدهم تولى الإمامة أبناء أبي عمر وأحفاده على مدى أكثر من ثلاثمائة سنة، ثم قام بعد ذلك أئمة منهم ومن غيرهم.

التاريخ العلمي للجامع

التاريخ العلمي للجامع المظفري يمثل نهضة علمية شاملة، قام بها المهاجرون المقادسة في الصالحية، على أن ظاهرة سماع الحديث، ثم قراءته رواية ودراية كانت من الأمور التي تميز بها المقادسة في الصالحيّة، حيث كانوا يُسمِعون أولادهم منذ الصغر، فكانوا يسعون إلى كبار العلماء من سكان دمشق والواردين إليها، كي يتلقوا عنهم في الجامع المظفري الذي درَّس فيه طائفة عظيمة من العلماء لا يمكن حصر أسمائهم في هذا المقال، ولكني أقتصر على ذكر بعضهم، فمن مشاهير العلماء الذين سكنوا الصالحية، و سمِعوا وأسمَعوا في الجامع المظفري:
1- أحمد بن عبيدالله بن أحمد المقدسي الحنبلي (ت: 613هـ).
2- العماد بن عبدالواحد المقدسي الحنبلي (ت: 614هـ).
3- عبدالرحمن بن محمد بن عبدالجبار المقدسي الحنبلي (ت: 635هـ).
4- أحمد بن علي بن الحسن الجزري (ت: 743هـ).
5- يوسف بن محمد بن عبدالله المرداوي (ت: 769هـ).
6- محمد بن علي بن طولون الدمشقي (ت: 953هـ).


وكان لمجالس السماع الجماعي نصيب في الجامع المظفري وهي مجالس يشترك فيها عدد من الشيوخ، وربما شاركتهم بعض الشيخات في مجلس واحد لإسماع بعض كتب الحديث الشريف، وهذه الطريقة فريدة تميَّز بها علماء الصالحية، وتكون بأن يتفق فيها عدد من الشيوخ لإسماع الحديث بقراءة أحد طلاب العلم وهم يستمعون، وربما شرح أحدهم بعض ما يتعلق بالأحاديث وعلو سندها، وكثيرًا ما نجد اشتراك شيخين أو أكثر، كاشتراك الفخر بن البخاري والإمام عبدالرحمن ابن أبي عمر المقدسي، ومنها السماع على 14 شيخًا وشيخة لجزء فيه انتخاب الطبراني لابنه أبي ذر في الجامع المظفري سنة (707 هـ)، ومن هؤلاء المشايخ: سعد الدين أبي محمد يحيى المقدسي، ومن الشيخات: أم محمد ست العرب، وأم حبيبة بنتا إبراهيم بن عبدالله بن أبي عمر بن قدامة المقدسي.


وقد ذيلوا المحضر: صح ذلك في يوم الأحد الثاني من ربيع الآخر سنة سبع وسبعمائة، بالجامع المظفري بسفح قاسيون، وأجاز لهم الشيوخ رواية جميع ما يروونه.
وقد ورد إلى الجامع المظفري كوكبة عظيمة من كبار العلماء والحفاظ من شتى أنحاء العالم، فأسمعوا الحديث فيه، ومن أشهرهم:


1- حنبل بن عبدالله الرصافي المكبر (ت: 604هـ)، وهو آخر من روى المسند عن أبي القاسم بن الحُصين، وقد سمع عليه طلاب العلم الكثير من مروياته، ومنها: مسند عبدالله بن مسعود من مسند الإمام احمد، وأحاديث منتخبة منه سنة (602هـ).
2- عمر بن محمد بن طبرزد البغدادي (ت: 607هـ)، وقد سمع عليه السلطان أحمد بن صلاح الدين الأيوبي لحديث أبي الحسين بن المظفر سنة (604هـ).
3- إسحق بن يحيى بن إسحق الآمدي الحنفي (ت: 725هـ)، وهو شيخ دار الحديث الظاهرية بدمشق، وسمع منه جماعة من طلاب العلم، وأجاز لهم جميع مروياته.
4- أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام (ابن تيمية) الحراني، (ت:728هـ)، وقد درّس، رحمه الله، في المدرسة السكرية والمدرسة الحنبلية بدمشق، وقد سمع من شيخه الإمام عبدالرحيم بن عبدالملك المقدسي، وإسماعيل بن أبي عبدالله العسقلاني بالجامع المظفري سنة (675هـ). ووُجِد نص السماع بخطه رحمه الله.


5- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي الشافعي، (ت:748هـ)، شيخ المحدثين وقدوة الحفاظ، ومؤرخ الشام، سمع على شيخه إسماعيل الفرَّاء سنة (694هـ ) بالجامع المظفري.
6- إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير الدمشقي (ت: 774هـ)، الإمام المفتي المحدث البارع، صاحب البداية والنهاية، سمع أحاديث أبي الحسين بن المظفر على شيخه أحمد بن المحب سنة (730هـ) بالجامع المظفري.


7- أحمد بن علي بن محمد (ابن حجر العسقلاني) صاحب الفتح، (ت: 852 هـ)، خاتمة الحفاظ وقاضي القضاة، أقام بالصالحية مائة يوم حصّل فيها ألف جزء غير الكتب الكبار، واجتمع فيها مع الإمام إبراهيم بن مفلح الحنبلي بالجامع المظفري.
ومن أشهر الشيخات اللات ي أسمعن الحديث في الجامع المظفري:
1- خديجة بنت عبدالرحمن بن محمد المقدسية (ت: 701هـ)، ومما سُمِع عليها مجلس البطاقة من أمالي حمزة الكتاني سنة 698 هـ بالجامع المظفري.
2- ست الفقهاء بنت إبراهيم الواسطي (ت: 726هـ)، سُمِعَ عليها نسخة الزبير بن عدي الكوفي سنة 724هـ بالجامع المظفري.
3- حبيبة بنت إبراهيم المقدسية (ت: 745هـ)، سمع منها الإمام الذهبي «انتخاب الطبراني» بالجامع المظفري.
4-فاطمة بنت محمد بن عبدالهادي المقدسية الصالحية (ت: 803هـ)، سمعت من الحجَّار بالجامع المظفري، وقال ابن حجر: قرأت عليها الكثير من الكتب والأجزاء بالصالحية.
5- عائشة بنت محمد بن عبدالهادي المقدسية الصالحية (ت: 816هـ)، سمعت على الحجَّار «صحيح البخاري» وغيره بالجامع المظفري، وتفردت بذلك، وقرأ عليها الحافظ ابن حجر كتبًا كثيرة كصحيح البخاري وغيره، كانت في آخر عمرها أسند أهل الأرض.


يتبين لنا مما سبق ذكره الدور الريادي الرفيع الذي كان يحتله هذا الجامع في النهضة الدينية العلمية في بلاد الشام، حيث جذب كبار العلماء والحفاظ إليه ليدْرُسوا ويدرِّسوا فيه شتى العلوم، فقد كان بحق مركزا للإشعاع الثقافي، حيث انطلقت من فوق منبره ومن حلقاته ومجالسه النهضة الثقافية العلمية بدمشق، الأمر الذي دفع بكثير من العلماء بتأليف الكتب في هذا الجامع ومنها كتاب: «جامع الحنابلة المظفري بصالحية جبل قاسيون»، للدكتور محمد مطيع الحافظ، حيث تناول المسجد بدراسة تفصيلية تحدث فيها عن بناء الجامع وتأسيسه وخصائصه وفضائله ووصفه وأوقافه وما أصابه من نكبات منذ إنشائه حتى عصرنا الحاضر، ثم تناول دوره الريادي في النهضة الدينية والعلمية في بلاد الشام، فترجم لأئمته وخطبائه، ثم للعلماء والحفاظ والمحدثين والمسندين والمدرّسين المقيمين فيه أو الواردين عليه من البلاد الأخرى- من الرجال والنساء- الذين علّموا أو رَوَوْا الحديث الشريف أو سمعوه فيه، وقد ختم الكتاب بذكر أربعين حديثًا منتقاة عن أربعين شيخًا من أربعين كتابًا مسموعًا بالجامع المظفري، والقصد أن تُقرأ في هذا الجامع العريق ليعود اتصال السند ورواية الحديث فيه، وكان أول من قرأ هذه الأحاديث على د.الحافظ مجموعة من طلاب العلم عند زيارته للكويت سنة 1426هـ.

 

 

 

 

مجلة :  اصدقاء دمشق




معدل القراءة: 2071



تعليقات وآراء القراء
ملاحظة: التعليقات والآراء المذكورة تعبر عن رأي أصحابها فقط

لا يوجد تعليقات حالياً