أيام التراث السوري             ترشيد استهلاك المياه المنزلية في لقاء توعوي             وفاة الأستاذ الدكتور صباح قباني             فعالية أيام بيئية (سوا نحمي البيئة)             حماية اسم الوردة الدمشقية            

آراء ومقالات

التاريخ : 2011-11-23


« الاديبة والكاتبة ماري عجمي»

ولدت ماري عجمي بنت يوسف عبده كما ذكرت في موسوعة البابطين للشعراء عام 1888 وتوفيت عام 1965 انتسبت إلى المدرستين الروسية والايرلندية بسبب عدم وجود مدارس وطنية.


نشأت في بيت دمشقي عتيق داخل السور الأثري في عائلة متنورة تعلقت بالقراءة في سن مبكرة وحين منعها والدها من القراءة في ضوء الشمعة حرصا منه على عينيها تسللت إلى سطح المنزل لتقرأ ضوء في القمر  .


  مارست تعليم اللغة العربية في مدرسة الفرنسيسكان لمدة أربع سنوات وعينت أستاذة في بغداد عام 1940 وكانت قد انتقلت عام 1909 إلى الاسكندرية حيث عينت ناظرة لمدرسة الأقباط وبقيت عاماً واحدا ً , عادت بعده إلى دمشق لتؤسس لمجلة العروس في كانون الأول عام 1910 كما يذكر الأديب عيسى فتوح .‏
في بداياتها عملت على مراسلة كبريات الصحف والمجلات (المقتبس) في دمشق و(المهذب) في زحلة و(الإخاء) في حماة و(الحسناء) و(لسان الحال) في بيروت.‏


كتبت الشعر والقصة وترجمت عن الانكليزية رواية (المجدلية الحسناء) الصادرة عام 1913 وكذلك كتاب (أمجد الغايات) عام .1927‏


ريادة في الصحافة‏


إن الإكرام قد أعطي للنساء ليزين الأرض بأزهار السماء! بهذه الكلمات البارزة صدر العدد الأول من مجلة العروس عام 1910 لصاحبتها ماري عجمي في فترة عصيبة من تاريخ الأمة التي عانت ظلم الحكم التركي والانتداب الفرنسي ,وجدت ماري في الصحافة منبرا للدعوة إلى تحرير المجتمع ومكافحة الأمية والجهل ومناهضة الاستعمار واليقظة العربية الشاملة كما الدعوة إلى تحرير المرأة, وكانت أول امرأة تصدر مجلة في سورية بلغ عدد صفحات العروس 32 صفحة ثم أصبحت 40 صفحة حتى عام 1914 حيث توقفت بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى وفي تشرين الأول عام 1918 عادت للظهور وب 64 صفحة.‏
جذبت المجلة عدداً من المناصرين لها منهم جرجي نقولا باز وزوجته الدكتورة أنس بركات, إيليا أبو ماضي, ميخائيل نعيمة, رشيد سليم الخوري, الأخطل الصغير وبدوي الجبل.‏


وفي عام 1926 لفظت (العروس) آخر أنفاسها وتوقفت بعد أن صدر منها 11 مجلدا في 6900 صفحة.‏
شعلة لا تخبو‏
رغم توقف (العروس) لم يتوقف نشاط ماري عجمي فانصرفت إلى التدريس في معهد أنشأته وراحت تغرس في صدور طالباتها الحس الوطني وبذور مناهضة الاستعمار دأبت على تلبية الحاجات الاجتماعية الناتجة عن الحرب فأسست مع نازك عابد بيهم النادي النسائي الأدبي ثم جمعية نور الفيحاء مدرسة بنات الشهداء وانتخبت عضواً في الرابطة الأدبية التي أسسها خليل مردم وكانت المرأة الوحيدة فيها.


في مواجهة (السفاح)‏

اقتحمت ماري عجمي مقر الحاكم التركي جمال باشا (السفاح) قابلته وناقشته بأمور كثيرة ثم خرجت لتكتب مقالاً تصف فيه الرجل وما جرى بينهما وكاد ذلك يقودها للسجن وربما إلى الموت لكنها رغم ذلك فقد آثرت أن تبقى الشمعة التي تذوب مع كلماتها لتبدد ظلام الاستعمار،ومع أنها كانت شفافة وحساسة إلى أبعد الحدود وعازفة على بعض الآلات الموسيقية تتمتع بصوت رخيم- إلا أن هذا الصوت كان يتحول إلى صرخة مدوية تقض مضجع المستعمر وتحرض على الثورة ضده.

لم تتمكن من إنقاذ خطيبها (الباتر) ورفاقه وهكذا ارتبط كفاحها ضد الاستعمار بشهداء السادس من أيار, زارت السجون ووصفت أحوالها وأحوال السجناء السياسيين (كنت أسمع أنين أولئك الشهداء وأبصر مواكبهم المزمعة على الرحيل وأرى المشانق المنصوبة كأنها مواقف مناطيد المجد المحلق- إلى السماء).‏

وفي صباح السادس من أيار 1916 بكت العجمي بحرقة عندما رأت مشانق الشهداء معلقة في دمشق وبيروت وخاطبتهم قائلة:‏

أما تبرحون غارقين في سباتكم أيها النائمون?‏
أما تعبت أجنابكم من اللصوق بالرمال?‏
قوموا فقد نمتم طويلاً.‏
إن نفحات الربيع مالئة الفضاء.‏
والأطيار تتسابق على الأفنان.‏
والجداول تناديكم: أن هيا عودوا إلينا‏
لقد كفى القلوب وجداً وأنيناً‏


حاول الفرنسيون إقناعها بالكف عن مهاجمتهم في مجلة العروس مقابل مبالغ طائلة لكنها رفضت فما كان منهم أمام عنادها إلا إيقاف المجلة بشكل نهائي وعنها قال الأديب عيسى فتوح:(لا أعتقد أن مجلة نسائية عربية تحملت من الأعباء مثلما تحملته (العروس) وقليلات هن اللواتي خرجن إلى ميدان العمل السياسي ومعارك النضال المشرف مثل ماري عجمي فقد حاضرت وخطبت في الجماهير وتنقلت بين سورية ولبنان وفلسطين ومصر والعراق .. وظلت هكذا حتى شهدت جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن..)‏


وكانت ماري عجمي أول من احتفل بعيد استقلال سورية الأول في 8 آذار 1920 يوم توج الأمير فيصل ملكاً على سورية.‏

رسائل بين رائدتين‏

تقدم الأديبة سهام ترجمان عبر كتابها القيم اكتشافاً مهماً لرسائل تعود بنا إلى عصر النهضة وبدايات القرن العشرين إنها رسائل الرائدة العربية السورية- الجزائرية الأميرة زينب الحسينية ابنة الأمير محي الدين باشا الحسني الجزائري ابن الأمير عبد القادر الجزائري الكبير والتي أرسلتها إلى الرائدة الشامية ماري عجمي صاحبة مجلة العروس بين عامي 1919 -1925 وهذه الرسائل المتبادلة بين الصديقتين الكاتبتين تلقي الضوء على رائدتين وقمتين مضيئتين روحياً ووطنياً وأدبياً وفكرياً.‏

ضد النسيان‏


توفيت ماري عجمي وحيدة بلا ضجيج في 25 كانون الأول عام 1965 وقد بلغت 77 عاماً سار في جنازتها عدد قليل من الناس من بينهم الأديب فؤاد الشايب وأقام اتحاد الجمعيات النسائية في سورية آنذاك حفل تأبين لها على مدرج جامعة دمشق في 25 نيسان 1966 تحدث فيه كل من فؤاد الشايب, رئيف الخوري, عفيفة صعب, وأمين نخلة.‏

بعد رحيلها أصدرت وزارة الثقافة عام 1969 كتاب مختارات من الشعر والنثر تحت عنوان (دوحة الذكرى) وأصدرت الرابطة الثقافية النسائية في دمشق عام 1944 كتاباً عن ماري عجمي اختار محتوياته وحققها ودققها الأديب عيسى فتوح وقد أعاد اتحاد الكتاب العرب طباعة هذا الكتاب ضمن مشروع الثقافة للجميع مؤخراً في سلسلة كتابه الشهري وكان الأديب ميشال جحا قد أصدر كتابه (ماري عجمي) متضمناً مقالات لها نشرتها هنا وهناك وظلت نتفاً مجهولة ونصوصاً ضائعة كما ورد اسمها في كتاب (رواية اسمها سورية).‏

بعض ما قيل عنها:

شهادة المرأة بواحدة من بنات جنسها،دليل على تفرد المشهود بها،ولذلك فإن شهادة الأديبة وداد سكاكيني بماري عجمي عندما شبهتها بالخنساء بألف.‏
تقول: كان الفرزدق إذا سمع شعر الخنساء قال:‏
تلك أنثى غلبت فحول الشعراء،وفي زماننا لو يسأل فحول الأدب عن ماري عجمي،لأعادوا قول الفرزدق في الخنساء.‏

أما الشاعر خليل مردم بك فقد قال فيها:‏
(لا أحبُّ من غواية النساء إلا غوايتها في الأدب،وأكثر ما يعجبني من أدب المرأة هو سحر الحياء،وهذان المعنيان ماثلان في ماري عجمي وأدبها).‏

وصفها إيليا أبو ماضي بالقول:‏
بنتُ سورية التي أبكي لها همُة الليث وروح الحمل‏

وسئل الزعيم والعالم السياسي فارس الخوري عنها فقال:‏
يا أهل العبقرية سجلوا هذه الشهادة‏
إن ماري العجمية هي مي وزيادة‏

وعنها قال الأمير مصطفى الشهابي:(إن ماري العجمي من أكتب كتّاب العربية وكاتباتها).

 




معدل القراءة: 2128



تعليقات وآراء القراء
ملاحظة: التعليقات والآراء المذكورة تعبر عن رأي أصحابها فقط

لا يوجد تعليقات حالياً