أيام التراث السوري             ترشيد استهلاك المياه المنزلية في لقاء توعوي             وفاة الأستاذ الدكتور صباح قباني             فعالية أيام بيئية (سوا نحمي البيئة)             حماية اسم الوردة الدمشقية            

آراء ومقالات

عزة علي آقبيق التاريخ : 2011-10-04


« قصر النعسان»

 

 

معلم تراثي متألق بأعمال الصناع المهرة في دمشق العريقة


تقودك خطواتك وأنت تطوف بمشاعرك الحميمة في أحياء دمشق القديم , إلى موقع أثري حافل بالمعالم التراثية الجميلة .. وتتوقف قريبا ً من (باب شرقي ), أحد أبواب المدينة العريقة ..عند معلم متميز مايزال يبهر زواره بما اجتمعت له من فنون العمارة والزخرفة الراقية إنه (قصر النعسان ) يعد هذا المبنى الآثري الفخم , الثاني في المساحة , بعد قصر العظم بدمشق , إذ تبلغ مساحته نحو 4 ألاف متر مربع , شيد عليها في أواخر القرن الثامن عشر ,وحظي بشهرة كبيرة , لما احتوى عليه من صور الإبداع المعماري , وشواهد فن البناء والزخرفة المتألقة .


وللقصر مدخلان , الغربي منها هو المدخل الرئيسي , ويفتح على فسحة تؤدي إلى صحن مستطيل واسع , تتوسطه بحرة مثمنة الشكل , تعلو بعض زواياها تماثيل أسود , وتحيط بالصحن أروقة محمولة على أقواس , مرتكزة إلى تيجان على أعمدة دائرية , وتحيط بالأورقة قاعات وغرف عديدة , زخرفت سقوفها وجدرانها بزخارف خشبية جميلة , وتألقت برسوم المشاهد الطبيعية والنباتات بألوان ناضرة .


في الجهة الجنوبية من القصر إيوان مرتفع ذو قاعتين , وفي الجهة الشمالية قاعة فسيحة , أما الجهتان الشمالية والغربية فتشملان على غرفتين في كل منهما , وهناك درجان حجريان يصعدان ,في الجهة الشرقية ألى الطابق العلوي على الرواق المشرف على صحن القصر ...
عندما تزور قصر النعسان ,تأخذك صور الإبداع الفني إلى عالم بعيد ساحر ,وتدهش متساءلا ً :من أين تبدأ رحلتك في هذا العالم و من السجاد الإيراني والباكستاني والتركي , الذي يستقبلك بروعة صناعته وألق رسومه , أم من الثريات الفخمة ,أم الأواني الفضية التي تعود إلى مئات السنين .. أم إلى الأثاث الصدفي الناد الموزع بأناقة في اللقاعات الفسيحة .. أم إلى صواني القهوة المصنوعة من الميناء الصافي كل ما تراه آية جميلة ابتكرها الذوق المبدع منذ عشرات السنين .. إضافة إلى ما نقل من القطع الأثرية من البيوت الدمشقية , ليتحول القصر معه إلى متحف حقيقفي لا أبهى ولا أجمل ...

 


صنعة مبتكرة ,وعمل إبداعي متميز :
وتتقدم في الحي إلى بناء مجاور يحتله (معمل النعسان لصناعة الأرابيسك والموزاييك ) , وهما من أبرز وأروع الحرف الفنية الدمشقية , ولهذا المعمل حكاية جديرة بأن تروى , تعود أصول (آل نعسان ) إلى منطقة حوران جنوب الشام .
قدم رب العائلة (جرجس نعسان ) إلا دمشق عام 1720 م , ومعه حرفة فنية مدهشة هي( الأرابيسك), وبدأ مشواره الطويل بورشة صغيرة لإنجاز أعمال جميلة وفيما بعد زاد عدد المتدربين لديه , لتتحول ورشته إلى مركز لتدريب الدفعة الأولى من حرفي صنعة ( الموزاييك ) ,كما أصبح المركز مدرسة تخرج منها كثيرون من حرفيي دمشق .


أنتج معمل النعسان في البداية الموزاييك , ولكن بعد اطلاع مؤسسه على فن الفسيفساء الموجود على القطع الأثرية القديمة , ابتكر زخرفة جديدة أضافها إلى حرفته الأصلية الموزاييك , وفي عام 1820 عمل سليم النعسان على إضافة الزخارف الفنية البديعة على البروكار (الحرير الطبيعي الدمشقي المقصب ) , وفيما بعد لم يقتصر نشاط النعسان على الموزاييك والبروكار , بل تعداها إلى صناعة الأسلحة التقليدية ,كالخناجر والسيوف الدمشقية .

يش العثماني , وأصدر أحد السلاطين العثمانيين فرمانا ً , يقضي بإعفاء عمال ورشات النعسان من الخدمة العسكرية الإلزامية في أطراف الدولة .
عمل الجيل التالي من آل النعسان على تطوير أعمالهم اليدوية , فقاموا بتنزيل الفضة على السيوف , وتطوير النقش على النحاس , والصدف على الخشب , ولجودت المصنوعات , احتفظ ببعضها في اسطنبول , ممهورة بتوقيع صانعيها .


حظي معمل (النعسان ) بشهرة ذائعة , وأمته وفود الزوار من كل مكان , كما لقي تقدير الشخصيات الوطنية والعالمية , وكان من بين أشهر زواره الفنان العالمي (بيكاسو ) الذي خص سجله الذهبي برسم من إبداعه , كما خط الآغا خان في السجل : (من معه مال يمكنه أن يضعه هنا , ومن لا يملك مالا ً يستطيع أن يضع روحه هنا وأنا وضعت هنا الاثنين معا ً ..ويفخر ( آل النعسان ) بأن الملكة إليزابث الثانية لبست يوم تتويجها عام  1954ثوبا ً من البروكار الدمشقي سمي (لوف بيرد ديزاين )عليه توقيع النعسان .


وكان قد أهدي من الحكومة السورية لملكة بريطانيا وإذا عرفنا أن عددا ً من القصور العربية الفارهة مزينة بأثاث من أرابيسك دمشق إضافة إلى عدد من القاعات الشامية المزهوة بأعمال الأرابيسك ما تزال قبلة أنظار محبي الفن الأصيل والإبداع المتميز , وعيها بصمات النعسان و ومجايليه من الصناع المهرة في دمشق الخالدة . 

 

  

مجلة أصدقاء دمشق

عزة علي آقبيق

 




معدل القراءة: 2129



تعليقات وآراء القراء
ملاحظة: التعليقات والآراء المذكورة تعبر عن رأي أصحابها فقط

لا يوجد تعليقات حالياً