أيام التراث السوري             ترشيد استهلاك المياه المنزلية في لقاء توعوي             وفاة الأستاذ الدكتور صباح قباني             فعالية أيام بيئية (سوا نحمي البيئة)             حماية اسم الوردة الدمشقية            

آراء ومقالات

آداب عبد الهادي التاريخ : 2011-10-04


« الخط الحديدي الحجازي»

 


وفر الخط للحجاج الراحة والأمان ..واختصر وقت الرحلة من أربعين يوما ً إلى خمسة أيام


ولدت فكرة إنشاء الخط الحديدي الحجازي للمرة الأولى عام 1864 م أثناء العمل على فتح قناة السويس التي ربطت بين البحر الأحمر والبحرالأبيض المتوسط ,عندما تقدم الدكتور زامبل ,وهو مهندس أمريكي من أصل ألماني باقتراح مد خط حديدي يربط بين دمشق وساحل البحر الأحمر ,لكن الاقتراح لم يلقى الاهتمام الكافي .إلا أنه سرعان ما عاد إلى الظهور عام 1880م عندما قرر وزير الأشغال العامة في الأستانة مشروعا ً أوسع يقضي بمد خط حديدي من دمشق إلى الأراضي المقدسة ,غير أن المشروع لم ينفذ بسببب الصعوبات المالية وبقي حبرا ً على ورق.


وبعد سنوات وفي عام 1900م أحيا الفكرة من جديد السوري عزت باشا العابد الذي كان يشغل منصب الأمين الثاني للسلطان العثماني عبد الحميد ,عندما اقترح على السلطان تنفيذ المشروع والذي بدوره تحمس له فأقام دعاية واسعة له في العالم الإسلامي مركزا ً على مسألة سهولة نقل الحجاج إلى أرض الحجاز .
واجه المشروع في البداية صعوبات تمويلية ,منها ضخامة تكلفته التي قدرت بنحو 3,5 مليون ليرة عثمانية في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية تواجه أزمة مالية طاحنة ,فضلا ً عن ذلك فإن السلطان عبد الحميد أراد أن يضفي على مشروعه الطابع الاسلامي , ومن ثم أراد أن يتم
إنشاء المشروع دون اللجوء إلى بيوت المال الأجنبية ,لذا وجه عبد الحميد نداءً إلى العالم الإسلامي عبر سكرتيره (عزت باشا العابد ) للتبرع للمشروع .ولقي هذا النداء استجابة تلقائية من مسلمي العالم .


بعد قرار السلطان عبد الحميد تشكلت لجنتان للإشراف على تنفيذ المشروع .الأولى برئاسة عزت باشا العابد ومقرها اسطنبول , والأخرى للتنفيذ ومقرها دمشق برئاسة والي الشام , حيث قام مختار بيك المهندس العثماني بمسح المنطقة التي يمر بها الخط بين دمشق والمدينة المنورة .
وتتبع الخط الحجازي بصفة عامة الطريق القديم الذي كانت تسلكه قوافل الحجاج .
بدأ العمل في

إنشاء الخط في سبتمبر 1900 في منطقة مزيريب من أعمال حوران , ثم قررت الحكومة العثمانية إيصال الخط الحديدي الحجازي إلى دمشق فعملت على إنشاء خط درعا – دمشق ,وباشرت العمل من دمشق ومزيريب في وقت واحد .
ولمواجهة نقص العمال وتوفير النفقات استخدمت قوات من الجيش العثمني بلغ عددها زهاء ستة آلاف جندي ومائتي مهندس كانو يعملون في الخط بصفة دائمة , وكانت السيول الجارفة إحدى العقبات التي شكلت خطورة كبيرة على الخط الحجازي في مرحلتي البناء والتشغيل : لذلك قام المهندسون بإنشاء مصارف للسيول على طول الخط الرئيسي .

تعد تكاليف لبخط الحجازي من أقل تكاليف خطوط السكك الحديدية في الدولة العثمانية على الاطلاق رغم ضخامة وكثرة منشآته ,فقد بلغ مجموع تكاليفه (بما في ذلك القطارات والعربات وسائر المباني على طول الخط ) حوالي أربعة ملايين و 283 ألف ليرة عثمانية . كما تميزت معدلات الإنجاز في إنشاء الخط بارتفاع ملحوظ , إذ وصل متوسط معدل الإنجاز السنوي حوالي 182 كيلو متراً وهو معدل مرتفع جدا ً آنذاك , مقارنة بمعدلات الإنجاز اللآخرى . ووصل أول قطار إلى المدينة المنورة في 23 أب 1908 م وأقيم الاحتفال الرسمي لافتتاح الخط الحديدي بعد ذلك بأسبوع ليصادف تولي السلطان عبد الحميد الثاني السلطنة .
أدى الخط الحجازي خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام , حيث استطاع حجاج الشام والأناضول قطع المسافة من دمشق إلى المدينة المنورة في خمسة أيام فقط بدلا ً من أربعين يوما ً . مع العلم أن الوقت الذي كان يستغرقه القطار هو ( 72ساعة )فقط , أما بقية الأيام الخمسة فكانت تضيع في وقوف القطار في المحطات وتغيير القطارات .
تخريب الخط الحديدي


استمرت سكة حديد الحجاز تعمل بين دمشق والمدينة المنورة ما يقرب من تسع سنوات نقلت خلالها التجار والحجاج . وعندما نشبت الحرب العالمية واشتعلت الثورة العربية بقيادة الشريف حسين واستولت على معظم مدن الحجاز , لم تستطع هذه القوات الثائرة السيطرة على المدينة المنورة بسبب اتصالها بخط السكة الحديدية ووصول الإمدادات إليها , واستطاعت حامية المدينة العثمانية أن تستمر في المقاومة بعد انتهاء الحرب العالمية بشهرين , فما كان من لورانس ضابط الاستخبارات البريطاني وتحت ذريعة احتمال قيام (أحمد جمال باشا ) قائد الجيش العثماني الرابع باستغلال سكة حديد الحجاز في نقل قواته لضرب الثورة العربية في عقر دارها , إلا أن قام بتدمير الخط ونسف جسوره وانتزع قضبانه في عدة أجزاء منه .


بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تغيرت الخريطة السياسية لكل من الشام وشبه الجزيرة العربية وأصبح الخط سكة حديد الحجاز يمر بأراضي أربع دول هي سوريا الأردن وفلسطين والسعودية ,فسيطرت كل دولة على الجزء الذي يمر في أراضيها . وأيدت عصبة الأمم المتحدة التقسيم على يد القانوني السويسري (أوجي بورل ) 1925 , وقد تعددت محاولات إعادة الحياة لهذا الخط الحجازي , ومنها مؤتمر الرياض عام 1955 الذي ضم سوريا والأردن والسعودية , ولكن لم توضع قراراته موضع التنفيذ , وما تزال الجهود تبذل حتى اليوم لاستعادة مجد هذا الصرح الحضاري ليعود شريانا ً نابضا ً بالحياة .



مجلة أصدقاء دمشق
آداب عبد الهادي




معدل القراءة: 2373



تعليقات وآراء القراء
ملاحظة: التعليقات والآراء المذكورة تعبر عن رأي أصحابها فقط

لا يوجد تعليقات حالياً