أيام التراث السوري             ترشيد استهلاك المياه المنزلية في لقاء توعوي             وفاة الأستاذ الدكتور صباح قباني             فعالية أيام بيئية (سوا نحمي البيئة)             حماية اسم الوردة الدمشقية            

آراء ومقالات

محمد عيد الخربوطلي التاريخ : 2011-09-27


« مدارس العاصمة مراكز اشعاع فكري وحضاري»

  تفردت دمشق بالمجد العلمي طوال عهود التاريخ الاسلامي


مدارس العاصمة مراكز اشعاع فكري وحضاري


حظيت دمشق بعناية الملوك والسلاطين والأمراء والفضلاء عبر كل العصور ,فالامويون اتخذوها مقرا لدولتهم وعمروها وحسنوها ,والعباسيون وإن كانو قد جعلو مدينة بغداد قاعدة ملكهم ,وحرموا منها دمشق ,فإن ذلك لم يمنعهم من الاهتمام بها والسهر على تحسينها , كما أن ذلك لم يفت في عضد نهضة دمشق العلمية التي استمرت آنذاك في طريقها تماشي نهضة بغداد جنبا الى جنب ,توزع معها النور على كل بلد يخفق في ربوعه علم الاسلام ,لا سيما وأنها كانت من نصيب حكام أقوياء عرفوا فضلها ومكانتها , فأحبوها وخصوها بكل رعاية واهتمام ,وحضنوها كما يحضن العاشق زهرة وصلته بمن يحب .


فأثناء ضعف الدولة العباسية وانهيار دولة السلاجقة وقيام دويلات في البلاد الشامية استأثر نور الدين محمود بن زنكي بحكم دمشق ,ورغب هذا السلطان أن يضم إلى سمعته الطيبة مكانة علمية , فاقتدى بالوزير السلجوقي  ,نظام الملك صاحب المدارس النظامية , في رعاية العلم والعمل على نشره وتعميمه ,فأعد مملكته لتواصل حركة النشاط الذي بدأه نظام الملك ,ولتتلقى عن بغداد وخرسان ما ضعفتا عن القيام به بعد انهيار سلطان السلاجقة ,واهتم نور الدين بدمشق ,فصارت في أيامه مقرا للعلماء والفقهاء والصالحين ,ولذلك صرف همته إلى انشاء المدارس والربط والخوانق والمساجد والبيمارستانات وترتيب أمورها , وأكثر من دور الحديث والفقه , فقصده العلماء والفقهاء والأدباء , وتعد المدرسة النورية التي بناها في مدينة دمشق , ومن ثم البيمارستان مفخرة لعهده ورمزا لحكمه .


وجاء من بعده صلاح الدين ,فأقام الدولة الأيوبية التي تعتبر وليدة الحرب مع الفرنجة ومع كل هموم الحرب التي قادها , مشى على خطى نور الدين في تعمير المدارس ونشر العلم .
ومشى من ورائه أبناؤه وأخوته ,فسعدت دمشق بهم ,ومعظم ما نراه اليوم من آثار إنما تدل عليهم , والمطلع على كتاب (الدارس في تاريخ المدارس ) للنعيمي يتضح له أنه كان في دمشق خلال القرنين السادس والسابع الهجري ما ينوف على مئة وخمسين مدرسة , إلى جانب دور الحديث والقرآن والمساجد والربط والخوانق ومدارس الطب .
ويمكننا القول أن دمشق تفردت عن بغداد والقاهرة والأندلس بالمجد العلمي الذي دام حتى أواسط القرن التاسع عشر الهجري , وبعد ذلك أخذ هذا المجد بالأفول والتلاشي .وتبنت مدارس دمشق تدريس علوم عصرها وهي ثلاثة أنواع :


1-    علوم القرآن والحديث والفقه واللغة والتاريخ والجغرافيا ,وكانت تسمى العلوم والآداب الاسلامية .
2-    علوم كانت بالجاهلية وتطورت في الاسلام كالخطابة والشعر .
3-    علوم نقلت عن غيرهم كعلوم الطب والرياضيات والطبيعيات .


وقد لعبت الزوايا دورا مهما في تعليم الناس العلوم الدينية ,وهي عبارة عن مصلى يتجمع فيه التلاميذ ويتحلقون حول شيخهم لسماع الدروس الدينية ,فكانت بمثابة مدرسة صغيرة ,وهي كثيرة جدا في شتى أنحاء العالم الاسلامي وفي مدينة دمشق وحدها حوالي مئة زاوية ,  ولكن لم أعثر على زاوية واحدة أنشأتها امرأة .
وكما عرفت دمشق دور الحديث عرفت دور القرآن , وأقام رشأ بن نظيف بن ما شاء الله الدمشقي دارا أو مدرسة خاصة لتعليم القرآن وسميت بالمدرسة الرشائية ,وذلك عام 444هـ ,وقد عرفت دمشق حوالي عشرين دارا للقرآن وحوالي عشرين دارا للحديث .


صالحية دمشق تحضن العلماء والمدارس

الصالحية :
أشهر منطقة في دمشق فيها المدارس الكثيرة .وكان البناء حول دمشق يقل ويكثر تبعا لانتشار الأمن في المدينة ومرتبطا بقوة السلطان أو ضعفه ,وعندما خرجت مدينة دمشق من أسوارها أصبح فيها في القرن السادس الهجري ,مجموعة أحياء بنيت ملاصقة للسور أولا ,ثم امتدت في البساتين المجاورة ,ومنها أحياء العقيبة والشاغور وقبر عاتكة والشويكة والقوات وباب سريجة وسوق ساروجا .


وفي القرنين الخامس والسادس الهجريين عمرت الصالحية ونشأت كقرية منفصلة بأنيتها واسواقها ومدارسها وخاناتها و صناعاتها ,واتخذت صفة مدينة للعلم والعلماء .
وكانت دمشق زمن نور الدين بن زنكي منذ عام 549\1154م قد أضحت العاصمة السياسية والعسكرية لمنطقة الشرق الاسلامي ,فكان أن لجأ إليها بنو قدامة قادمين من فلسطين هربا من جور الفرنجة الذين استولوا على القدس ,وأقاموا إمارات في فلسطين وفرضوا الضرائب المرهقة على السكان الزراعيين فيها ,وقد خرج بنو قدامة من قرية جماعيل تبعد 16 كم جنوب غرب مدينة نابلس في تشرين 512هـ /1156م ,وهجروا أرضهم إلى دمشق وسكنوا في مسجد  بظاهر دمشق إلى الشرق من الباب الشرقي في السور يعرف بمسجد أبي صالح ,وتكاثروا بهجرة من دعوهم من فلسطين من أقاربهم ,ثم اختاروا سفح جبل قاسيون المطل على دمشق شمالا , وفي منطقة يمر منها نهر يزيد وفروعه , والى جنوبه نهر ثورا , حيث كانت تنتشر قديما مجموعة قرى مثل : بيت أبيات ,مقرى , الميطور , أرزة ,وانقرضت كلها وصار مكانها  الأبنية العالية .


الصالحية ودورها الثقافي :

يقول المرحوم الدكتور شاكر مصطفى في كتابه عن آل قدامة :
وما كاد القرن السابع الهجري يطل حتى تحولت الصالحية الى ورشة عمران ونشاط اقتصادي وعلمي فقد توضع في شرقها خاصة من آواخر عهد صلاح الدين الأيوبي مجموعة متزايدة من الأكراد البطاليين (الذين تقاعدوا عن العمل في الجندية ومن النازحين وما تزال بقاياهم موجودة في الحي المعروف حتى اليوم بحي الأكراد –ركن الدين )وتكاثر بها طلاب العلم والمتصوفة والزهاد وكان للمنطقة (الصالحية ) مع دمشق صلات جارية مع التجار أيام الملك الأشراف ,ومن تطور في الصناعة والزجاج المذهب والسلاح والجلود والورق والبروكار الحريري والنحاس المطعم بالفضة وفي الفنون المعمارية ,وبالرغم من ذلك فقد تميز نشاط الصالحية عامة بأمرين مترابطين , العلم والعمران الديني .


وقد اقيمت بالصالحية دور الحديث والمدارس ,ولعل هذا السبب هو الذي حدا بأرغون الحافظية إلى اقامة مسجدها وتربتها في هذه المنطقة التي اكتسبت شهرتها من العلماء الذين برزوا فيها , واكتسبت قدسيتها من الأساطير الكثيرة التي نسجت حول جبل قاسيون كمغارة الدم والأربعين وأهل الكهف ومقام ابراهيم , ويقول (شاكر مصطفى ) إن مع هذه الحركة العلمية والاقتصادية بني فيها جامعان جديدان ,جامع الماردينية مكان الجسر الأبيض اليوم ,وجامع الركنية فوق قرية الميطور ,

16:58:45 وكذلك بني فيها ثلاث عشرة مدرسة , مدرسة الضيائية والبهنسية والجركسية والمقدمية والمعظمية والشبلية (شمال المدرسة الحافظية ) والمدرسة العلمية والميطورية والقاهرية والعزيزية واليغمورية , وكذلك بني البيمارستان القيمري (غرب جامع الشيخ محي الدين بن عربي ) وعدد من الزوايا الصوفية , وأعداد من الترب الفخمة بين عام 600 و 650 هـ وقد بنى فيها تسع وعشرون تربة , ملأت الصالحية قبابا وقبورا للأمراء والكبراء , وتذكر المدرسة الحافظية مع الترب في عدد من المصادر نظرا لأنها حوت قبر حافظة الأرغوانية .
وكانت كل مدرسة تحتوي مكانا لدفن منشئها ومسجدا أو مصلى وسبيلا للماء , بالاضافة الى أماكن لنوم طلاب العلم فيها يحوي أماكن لقضاء حوائجهم من مطبخ وحمام وغير ذلك.
دور المرأة الدمشقية في بناء المدارس ونشر العلوم


عندما شجع الزنكيون العلم والعلماء ,كثرت المساجد والمدارس في الشام ,وكذلك دور العلم , ولم يعرف التاريخ الاسلامي من سبق نور الدين بإنشاء دار خاصة لدراسة الحديث النبوي الشريف .
كذلك شجع الأيوبيون كأسلافهم العلم والعلماء , فقد عرف صلاح الدين بحبه للعلم واحترامه للعلماء وكان يحضر مجالسهم , وقد ذكر ابن واصل في كتابه مفرج الكروب أن : صلاح الدين لما سافر الى الاسكندرية سنة 577 هـ قال لاولاده : نغتنم حياة الشيخ أبي طاهر بن عوف فحضر عنده مع أولاده , وسمع عليه موطأ مالك بن أنس بروايته عن الطرطوشي في العشر الأخير من شوال , وتم له ولأولاده السماع .


وعندما جاء سلاطين المماليك أكثروا من انشاء المدارس ودور العلم , ولم يقتصر الاهتمام ببناء المدارس ودور الحديث على الملوك الأيوبيين , وإنما تعداهم إلى نسائهم من الأميرات الخواتين ,ذكر الرحالة ابن جبير ذلك فقال : (ومن الخواتين ذوات الأقدار من تأمر ببناء مسجد أو رباط أو مدرسة , وتنفق فيها الأموال الواسعة , وتعين لها من مالها الاوقاف ).
ونذكر من الخواتين الأيوبيات ست الشام التي أنشأت الشامية البرانية والشامية الجوانية , وزمرد خاتون التي أنشأت الخاتونية البرانية , والخاتون عصمة الدين التي أنشأت الخاتونية الجوانية , وجاءت مؤنسة خاتون فأنشأت في حماه مدرستها وأوقفت عليها وقفا جيدا وكتبا كثيرة .


ولم تكن المرأة الحاكمة فقط مهتمة بالبناء , بل اهتمت بالعلم , فكن يحضرن المجالس ويطلبن العلم و كما فعلت كثيرات من النساء في دمشق وبلاد الشام في ذلك العصر
ففي روايات الحديث مثلا نجد كثيرات من النساء انصرفن للرواية انصرافا كليا , وقد عرفت الكثيرات منهن , أذكر بعض أسمائهن للدلالة فقط :


-    مسندة الشام أم الفضل كريمة بنت عبد الوهاب القرشية المعروفة ببنت الحبقبق المحدثة توفيت 641 هـ , كذلك عرفت بالفقه , قال عنها ابن العماد إنها مسندة الشام , وقد ذكرها الحافظ المنزري وذكر أنه لقيها بدمشق وسمع منها وأجازته سنة 595 هـ , وتوفيت في بيت لها بدمشق سنة 641 هـ \1243م
-    فاطمة بنت عساكر توفيت سنة 683 هـ
-    فاطمة بنت أحمد بن صلاح الدين يوسف توفيت سنة 678 هـ
-    عائشة بنت عيسى بن الموفق القدسي توفيت 697 هـ
-    خاتون بنت يونس بن محمد بن العادل توفيت سنة 097 هـ
-    ست الشام أم محمد صفية بنت الشيخ المحدث مجد الدين أحمد بن ميسرة الأزدي , توفيت 704 هـ.
-    أم محمد شهدة ابنة الصاحب كمال الدين بن العديم , توفيت 709 هـ . وكانت قد سمعت بحلب من الكاشغري حضورا , وأجازها الكثيرون .
-    ست الوزراء الشيخة المحدثة المسندة رفيقة الحجار أم عبد الله بنت القاضي شمس الدين عمر بن المنجا التنوخية الدمشقية الحنبلية , توفيت سنة 716 هـ ,وكانت قد سمعت صحيح البخاري ومسند الشافعي نت أبي عبد الله الزبيدي , وعمرت طويلا وروت الكثير في دمشق والقاهرة , وقد قرأ عليها الحافظ الذهبي مسند الشافعي , وكانت رحلة عصرها (يرحل اليها ) .
وقد عرفت زينب بنت الكمال أحمد المقدسية وكانت عالمة بالحديث , قال ابن حجر (روت الكثير وتزاحم عليها الطلبة , وقرئت عليها الكتب الكبيرة ). وقال عنها الذهبي :( تفردت بقدر كبير من الاجازة ), وقال الكتاني (عندي جزء خرجه لها الحافظ البرزالي من مروياتها ) وقد أصيبت عينها برمد في صغرها ولم تتزوج , وهي آخر من حدث في الدنيا سبط السلفي .
كذلك عرفت بدمشق فاطمة التنوخية التي كانت خاتمة المسندين في دمشق , وقد أخذ عنها الحافظ ابن حجر وقد توفيت سنة 778هـ م1376م . وعرفت بدمشق فاطمة المقدسية بنت عبد الهادي هالمة الحديث وحدثت الكثير , وقد أجازها علماء من دمشق ومصر وحلب وحماه وحمص وغيرهم كثير , توفيت سنة 803هـ \1401م .



مجلة اصدقاء دمشق
محمد عيد الخربوطلي




معدل القراءة: 2319



تعليقات وآراء القراء
ملاحظة: التعليقات والآراء المذكورة تعبر عن رأي أصحابها فقط

لا يوجد تعليقات حالياً