أيام التراث السوري             ترشيد استهلاك المياه المنزلية في لقاء توعوي             وفاة الأستاذ الدكتور صباح قباني             فعالية أيام بيئية (سوا نحمي البيئة)             حماية اسم الوردة الدمشقية            

آراء ومقالات

علي القيم التاريخ : 2011-08-23


« متحف الطب والعلوم عند العرب»

   يقع (البيمارستان النوري) أو ما يسمى حالياً ( متحف الطب والعلوم عند العرب)

على مسافة يسيرة من الجامع الأموي وبالقرب من منطقة الحريقة.

 1ـ أهمية المبنى الأثرية والتاريخية:

يعتبر البيمارستان النوري من أهم المباني التاريخية في دمشق, وهو من مفاخر العمارة العربية الإسلامية, وكلمة بيمارستان كلمة فارسية الأصل, مكونة من ( بيمار ) ومعناها مريض و( ستان ) بمعنى دار, فهي إذاً دار المرضى.

( البيمارستانات ) كانت بمثابة مستشفيات ومدارس الطب, وتشير المصادر التاريخية المتوفرة أن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك كان أول من بنى البيمارستان في دمشق سنة 707 م, وجعل فيه الأطباء وأجرى عليه الأرزاق وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق.

وفي عهد الدولة الأيوبية أصبحت دمشق مدرسة للطب, وشهدت عصرها الذهبي في عهد الملك العادل نور الدين بن محمود الزنكي, فأنشأ بيمارستانه المعروف باسمه, وكان بحق أول وأعظم جامعة طبية في ذلك العصر, وفي الشرق كله.

 

2ـ قصة إنشاء بيمارستان نور الدين:

تذكر المصادر التاريخية, أن السلطان نور الدين الزنكي, خلال حروبه الطويلة مع ( الإفرنج ) قد أسر أحد قادتهم, وعند استشارة مجلس أعيانه بمصيره, أشاروا عليه أن يطلق سراحه مقابل فدية مالية مجزية, تنفق في بناء بيمارستان يقدم فيه الدواء والعلاج لكل مصاب, وبالفعل فقد راقت له الفكرة وأطلق سراح عدوه وأخذ الفدية, واستقدم خيرة المهندسين والعمال العرب السوريين المهرة لبناء هذا البيمارستان وذلك حوالي ( 549 هجرية / 1154 ميلادية ).

تشير المصادر التاريخية الكثيرة أن بيمارستان نور الدين كان يماثل القصور الملكية بترفه, ووسائل الراحة المتوفرة فيه, وأنواع الطعام الفاخرة التي كانت تقدم للمرضى والمصابين,كما أن العلاج كلن مجاناً للأغنياء وللفقراء, سواء بسواء, دون أن تكلف المرضى درهماً واحداً, بل كانوا يمنحون لدى خروجهم من المستشفى ثياباً ونقوداً تكفيهم للعيش دون أن يضطروا للعمل.

 

3ـ مخطط البناء:

يتألف البيمارستان من باحة سماوية أطوالها ( 20×15 ) متراً تتوسطها بحيرة ماء مستطيلة الشكل أطوالها (7×8.5) متراً وهي مبنية بالحجر المنحوت, لزواياها من الداخل حنايا نصف أسطوانية, كعنصر زخرفي شاع في العهدين السلجوقي والأيوبي, ويحيط بالبحيرة بعض الأشجار المثمرة والأزهار والنباتات الجميلة.

يحيط بالباحة أبنية يتوسطها في كل جهة إيوان, على جانبه غرفتان, وهذه الغرف بعضها مربع الشكل والبعض الآخر مستطيل, وكلها مسقوفة بالعقود المتقاطعة.

 

مدخل المبنى:

المبنى خال من الواجهات المتقنة الصنع, باستثناء الباب, وهو مفتوح في الواجهة الغربية, وله مصراعان من الخشب مصفحان بالنحاس, ومزخرفان بالمسامير النحاسية الموزعة على أشكال هندسية, وللباب ساكن مؤلف من حجر واحد منقول من بناء قديم يعود إلى العهد الروماني, ويعلوه واجهة من الزخارف الجصية الجميلة من عهد السلطان نور الدين, تتألف من صف من المحاريب ذات الأقواس المفصصة, وصممت على تسعة مداميك من المقرنصات التي تعتمد في فنها على شكل الورقة المجوفة.

يلي الباب غرفة مربعة الشكل ( 5×5 ) أمتار, تقوم مقام الدهليز, تعتبر حالياً من أجمل غرف المبنى عناية وزخرفة, كان يطلق عليها بلغة عصر البناء (الدركاة).

وتقع بين البابين الداخلي والخارجي, مزودة بإيوانين صغيرين في جانبهما الشمالي والجنوبي, مسقوفين بعقد مزين بزخارف تشابه زخارف الباب, وعلى الجدران أشرطة كتابية وزخارف تشير إلى أعمال الإصلاح التي تمت في العهد المملوكي, ويعلو القاعة قبة عالية تغطيها المقرنصات من الداخل والخارج وهذه المقرنصات التاريخية تجعلها من النماذج الفريدة في سورية.

كما يتألف البناء من ثلاث أواوين كبيرة مفتوحة على الداخل, كانت في السابق مخصصة لوضع أسرة المرضى وعقد جلسات الأطباء وإلقاء المحاضرات على طلبة الطب.

 

متحف الطب والعلوم عند العرب:

تقديراً لمكانة وأهمية هذا البناء العربي الفريد, ولدوره الكبير الذي لعبه في تطوير العلوم الطبية والصيدلانية العربية, وضمن خطة توظيف معالم سورية الحضارية والأثرية, فقد قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية بتجهيز هذا البناء وترميمه ليكون مقرأ لمتحف الطب والعلوم عند العرب, تعرض فيه أهم المساهمات والابتكارات والأدوات والكتب الطبية والعلمية, التي قدمها العلماء العرب, وساهموا من خلالها في تقدم وتطور البشرية, وافتتح عام 1978م.

 

قاعات المتاحف:

يضم المتحف ثلاث قاعات كبيرة, الأولى للعلوم والثانية للطب, والثالثة للصيدلة, وهناك غرفة تضم مكتبة علمية متخصصة.

 

1-   قاعة العلوم:

يعرض في هذه القاعة نماذج وأدوات عربية ولوحات فنية تدل على تطور العلوم عند العرب, نحاول من خلالها الوقوف على التراث العلمي العربي, بهدف تحقيق غايتين:

الأولى: قومية, وهي إشعار الجيل الجديد بقيمة التراث, فيكون ذلك باعثاً على الفخر والاعتزاز.

الثانية: أكاديمية, وهي تعريف النشء بتطور العقل البشري في العصور المتعاقبة.

كما يعرض في هذه القاعة مجموعة هامة من الأدوات الفلكية العربية, تقدم للزائر صورة عن تطور علم الفلك ( الهيئة ) ودور العرب في هذا التطور, فهناك إسطرلاب عربي مستدير الشكل, يعود تاريخه على القرن الثاني عشر الميلادي, وربع دائرة فلكية مصنوعة من النحاس الأصفر أيضاً, ورسم محسن المرادي عام 1303 ميلادية وهي آلة لقياس الارتفاع الزاوي, تم تطويرها من الإسطرلاب أصلاً, وربع جيب فلكي خشبي مخطوط من الوجه الواحد, وأرباع جيب عديدة أخرى, بالإضافة إلى ساعات رملية أخرى, وقناديل قديمة, وموازيين وأوزان عربية كانت شائعة الاستعمال في التاريخ العربي, ويعرض في هذه القاعة لوحات فنية تمثل أشهر العلماء العرب أمثال: البتاني, البيروني, الخوارزمي, عباس بن فرناس, ابن رشد, الأوريسي, ابن الهيثم, ابن خلدون.

قاعة الطب:

يوجد في هذه القاعة إحدى عشرة خزانة, يتوزع فيها مجموعة قيمة من الأدوات, الطبية, الأثرية القديمة التي تعود بتاريخها إلى عهود مختلفة تبدأ من العصر الروماني, وتنتهي بالعهود العربية المتأخرة, كما يعرض فيها مجموعة من المخطوطات الطبية القديمة, تتضمن محتوياتها وصفاً لحالات الجسم المرضية والعلاج الناجح لها, كما يعرض في هذه الخزائن نماذج نحاسية لأدوات طبية قديمة أخذت مصادرها من كتاب الطبيب العربي ( أبو القاسم الزهراوي ) المسمى بـ ( التصريف لمن عجز عن التأليف ), ويعرض أيضاً مجموعة التمائم المختلفة الأشكال والأحجام وقميص طبي قديم, سطر عليه العديد من الآيات القرآنية الكريمة, والدلالات التي لها علاقة بالطب الروحي, ويزين هذه القاعة لوحات فنية متقنة الصنعة, تمثل أشهر الأطباء في العصر الوسيط, أمثال أبو القاسم الزهراوي ومهذب الدين عبد الرحيم علي الدخوار, أبو الحسن علاء الدين بن الحزم بن النفيس الدمشقي, أبو بكر الرازي, ابن سينا, علي بن عيسى الكمال, داود الأنطاكي.

 

قاعة الصيدلة:

في هذه القاعة تعرض نماذج تمثل بعض الأدوات والأجهزة التي كان يقوم العلماء العرب بواسطتها بمزج وتركيب الأدوية المستخرجة من الأعشاب والنباتات الطبية , مثل المهتبيج والهاونات والمدقات بالإضافة إلى أجهزة التقطير الخاصة التي كانت تستخدم لمثل هذه الأمور, كما تحف خزائن هذه القاعة بكاسات زجاجية وضع بداخلها ما يزيد عن ستين نوعاً من النباتات والأعشاب التي استخدمها العلماء العرب لاستخراج الدواء منها بهدف مداواة المرضى والمصابين, كما تزين جدران هذه القاعة لوحات فنية لأشهر الصيادلة العرب مثل أبو وليد محمد بن رشيد, ابن زهر, موفق الدين البغدادي, ضياء الدين بن البيطار.

 

مكتبة المتحف:

تشمل المكتبة عدداً لا يستهان به من المخطوطات النادرة والكتب العلمية المتخصصة, والهدف من إقامة هذه المكتبة هو إعادة لتقليد كان معروفاً في البيمارستان النوري, فقد كانت فيه قاعة, صنفت على رفوفها شتى الكتب الطبية, لتكون مادة لدراسة الطلاب, ومرجعاً للأطباء, ومتاعاً لرواد البيمارستان من الزائرين والمرضى الذين تتيح لهم حالتهم الصحية متابعة القراءة والإطلاع.

 

 

 

 

 

 

 




معدل القراءة: 2133



تعليقات وآراء القراء
ملاحظة: التعليقات والآراء المذكورة تعبر عن رأي أصحابها فقط

لا يوجد تعليقات حالياً