أيام التراث السوري             ترشيد استهلاك المياه المنزلية في لقاء توعوي             وفاة الأستاذ الدكتور صباح قباني             فعالية أيام بيئية (سوا نحمي البيئة)             حماية اسم الوردة الدمشقية            

آراء ومقالات

عَادل أبو شنب التاريخ : 2011-07-03


« في الفولكور المنسي العرس الدمشقي في مطلع هذا القرن (1)»









مراسم الأعراس‏

إذا بلغ الشاب الثامنة عشرة وكان من عائلة متوسطة وقادرة على دفع البذل لإنقاذه من الجندية أو كان أتم مدة الخدمة الإلزامية عمد أبواه للبحث عن زوجة صالحة، ولابد في هذه الحالة من أن يكون الشاب أما غنياً أو صاحب مهنة تدر عليه الرزق أو مدلعاً على أبويه، أو شديداً عليهما، أو حالة م الحالات الأخرى التي تكفل له تلبية طلبه، فيعمد أبواه إلى تزويجه.‏

والأوصاف التي سنذكرها هنا هي بالنسبة للعائلة الغنية أو المتوسطة في الثراء الأقل.‏

مقدمة الخطبة ـ عندما تصح عزيمة الوالدين على البحث عن كنة لهما، يتذاكران فيمن يعرفانه من الأقارب. ويجيلان الطرف حول بنات العمومة فالأخوال فالخالات والعمات والجيران، فإذا لم يوافق مشاربهم عمدوا إلى أبعد من ذلك المحيط. تصطحب الوالدة اثنتين أو أكثر من قريباتها فيذهبن معاً إلى دار معينة, أشار بها أحد المطلعين أو المطلعات على وجود بنات حائزات الشرائط المرغوبة، وعندما يستقر بهن الجلوس وتبادل التحيات الرقيقة، تبادر أكبر القادمات بالسؤال عن الأحوال والدنيا، وهنا وهناك، لعلها خلال تلك الفترة تصادف مرور إحدى البنات فتسأل عنها هكذا: (ما شاء الله، حصنتهما بالله. هذه البنية بنتكم؟) فإذا لم تصادف توجه السؤال الآتي: (والله أحببنا أن نتشرف بالتعارف معكم، ثم علمنا بأن لديكم بنات وصفت لنا أخلاقهن فأردنا أن نتشرف بصلة القربى ويكون لنا بذلك حظ عظيم) فإذا أجيبت على رغبتها كلفت تلك الفتاة (أو الغائبة عند حضورها والعودة في جلسة أخرى) بأن تتكرم عليها بكأس من الماء، وبهذا التكليف تشاهد خفتها ومشيها وطولها و... ومبلغ خجلها، فإذا شربت شكرتها على لطفها وعادت الفتاة إلى غرفتها26 أما بعيدة أو جلست قريبة منهن بعد تكليفها بذلك.‏

وقد تتكرر الزيارة وتكرر المشاهدات لأكثر من فتاة وأكثر من عائلة، ومن قبل أكثر من خاطبة، وقد تتقدم إحدى الخاطبات فتربت على كتف الفتاة إذا أعجبتها وتقبل فمها تقبيلاً حاراً. والقصد من هذه القبلة أن تفحص نفسها وهل لها رائحة كريهة أو كانت بخراء أو رائحة دخان لتستعلم من ذلك أن كانت تدخن أم لا. فإذا استقر رأيهم على الفتاة تبادل الطرفان الاستفهام من  الخاطب والمخطوبة ومكانتهم الاجتماعية وسن الخاطب وصفته واسم العائلة، وليفسحن المجال لأنفسهم من السؤال من الجيران فالخاطبون يسألون خلال تلك الفترة من الجيران عن أطباع وحال المخطوبة ومكانتهم الاجتماعية وسمعتهم. كذلك يفعل أهل البنت بالنسبة لعائلة الخاطبين، ويكون كل من الطرفين من استعلم عن اسم الخاطب والمخطوبة بقصد الاستخارة34، فإذا حل موعد انتهاء الاستخبار جاء الخاطبون إذا اطمئنوا كما يريدون وفاتحوا أهل البنت بعزمهم على التشرف بصلة القرابة، فإذا كان أهل المخطوبة أعجبهم خال الخاطب اتفقوا على ليلة معينة يخبر الطرفان رجالهم بذلك ليفسحوا المجال لاجتماع الرجال بعد أن انتهت المرحلة التمهيدية على أيدي النساء.‏

فإذا لم يطب لأحد الطرفين حال الآخر اعتذر عن ذلك بقوله "إن الاستخارة يا للأسف لم تكن موآتية، وتدل على عدم وجوب نصيب فينصرم بذلك حبل الزيارات إلى ما كانوا عليه قبل التعارف. وربما ألح أحد الجانبين بالطلب والإصرار، فأما أن يتم الرضاء أو لا يتم.‏

ومتى اتفق الطرفان وأعلما الرجال بما توقع لكل من الجانبين عمد الأب إلى بعض الوجوه والأقارب فاستدعاهم وعرض عليهم الأمر وكلفهم بأن يرافقوه في زيارة والد المخطوبة للاستعانة بهم على البت في الأمر، ثم يرسلون من يخبر والد المخطوبة ليضرب لهم موعداً ويعد لهم... ويمهد لهم الراحة من الفاكهة والحلوى والأشربة والسيكارات والأراكيل بعد أن يستعلم عن عددهم.‏

وفي الموعد المضروب يجتمعون ويتبادلون الأحاديث العامة ويتقربون بمناسبة الحديث شيئاً فشيئاً حتى تصادف حديث المناسبة التي جاءوا من أجلها، فيتفق الطرفان على المهر وما ينبغي، ويتوسع الجانبان بالاطلاع على حالة كل منهما، ومن الطبيعي أن يكون والد المخطوبة استحضر طائفة لهذه الغاية من وجوه أقاربه ومحلته، وربما صادف بين الطرفين ذو معرفة سابقة بأحد الجانبين41 فيكون وسيلة لتقارب وجهات النظر وحل المشاكل البسيطة المتعلقة بالمهر والجهاز وموعد العرس وخلاف ذلك.‏

وبعد الانتهاء من الجلسة يتقدم الأسن من بين جماعة الخطيب، ويطلب من الجميع قراءة الفاتحة على تلك الخطبة42 بأن يجعلها ميمونة...43 والحظ والعادة44، ويدعو بما يتيسر، فيوافق الجميع على ذلك، ويطلب عقب هذا ورقة النفوس ليبدءوا بمعاملة الخطبة بشكل رسمي، وكان هذا نادراً إذ كان الناس لا يتقيدون بورقة الاذن كما هو الحال في يومنا، بل يهتمون ما ينبغي عمله لإحضار لوازم الجهاز.‏

وبعد الانتهاء ينصرف كل إلى داره، ويبدأ الطرفان بإعداد أسباب الجهاز والاستحضارات الآخر.‏

استعداد أهل العريس ـ يستعد أهل العريس لإحضار المهر كاملاً، ويهيء قسماً من الدراهم يرسلها إلى أهل العروس استعداداً لإجراء حفلة العقد، وتسمى هذه (لفافة كتاب) أي مصارف حفلة العقد، فيقوم أهل المخطوبة بالاستحضارات المتعارفة للحفلة كالبن والفواكه والملبس والدخان والأراكيل، ثم يستعلمون من أهل العريس عن مقدار مدعويهم ليرسلوا على عددهم بطاقات رسمية. وبعد الاستعلام يباشرون بطبع البطاقات المتضمنة شقتين البطاقة عبارات المجاملة وتعيين المكان الذي ستجري فيه الحفلة ويومها وساعتها.‏

وتتقدم غالباً العقد تلاوة قصة المولد الشريف. وفي اليوم والساعة المعينة يتوافد المدعون وتجري المحادثات الودية مقدار ساعة ثم يحضر الخوان وعليه باقة الزهور وصفاح السكر الملبس، وتزين الدار بالأنوار والشموع، ويتصدر من يقرأ المولد النبوي الشريف، وتوزع أكواب المرطبات صيفاً أو الحليب المجمد (طرندورمه) أو المحلاية أو الحلوى شتاء، والملبس، وبعد فترة قصيرة يتقدم وكيلا العروسين فيجلسان أمام الشيخ بحضور الجميع، فيبادر الشيخ بخطبة العقد يبين فيها سنة الكون وبقاء البشرية وسنة الرسول الأعظم وحب التعارف والتكاثر، وأن ذلك مما يقرب البعيد ويحبب القريب، فيصبح بعد أن كان غريباً صهراً ونسيباً ثم يلقن وكيل الزوج أو أبا الزوج وهو بمواجهة الزوجة53 أو وكيلها، وكل منهما ممسك براحة الآخر، بعد أن يسئل54 الشيخ الزوجة فيقول الآخر: زوجت وأنكحت موكلتي فلانة لابنك فلان على مهر معجله كذا ومؤجله كذا فيقول الأول قبلت زواج ونكاح موكلي....(العبارة نفسها).‏

أو أنهما يقتصران على كلمتي الإيجاب والقبول وتحديد المهر، فيبارك الجميع لهم ويدعون لهم بالرفاء والبنين، وعندما يخرج والد العريس من جيبه كيساً فيه المهر ويعده أمام الجميع فيتسلمه والد الزوجة أو وكيلها بحضور ومشاهدة الجميع، وربما يعقب ذلك في نفس الليلة سماع ألحان وطرب، وينفضون مسرورين داعين للعروسين بالسعادة والهناء.‏

وقد يصادف أن يحضر العريس مجلس العقد، ولكن كان ذلك نادراً، كما أن الباس خاتم الخطبة كما هي العادة اليوم أو الاجتماع إلى الزوجة كان ممنوعاً منعاً باتاً ويعد لديهم من المعيبات والكبائر إذ لا يجوز له أن يراها إلا ليلة الزفاف56.. ثم إن الشيخ يبادر فوراً إلى تحرير صيغة العقد بكامله مفصلاً ويوقع عليه بنفسه، ثم الشهود والحضور57 ووالد الزوجين ويحتفظ كل من الطرفين بنسخة عنه على حده.‏

استعداد أهل العروس ـ أما أهل العروس فبعد إحضار ما ينبغي من اللوازم للحفلة تحضر المدعوات ويحطن بالعروس وتكون جالسة بأفخر الثياب على أريكة مرتفعة عن الجلاس58 ناظرة إلى الأرض حياء وخجلاً مستغرقة في صمت وهدوء طويل حتى نهاية الحفلة. وكل حركة أو كلام أو ابتسامة تصدر عنها تعد بالنسبة لها من المعيبات الدالة على وقاحتها، لذلك تبقى متظاهرة بالحزن العميق والألم والخجل يجلل وجهها علائمه59 فينساب العرق على وجهها وإلى جانبها والدتها ووالدة العريس يكفكفن دموعها وتندلا جبينها وجهها ويمسحنه عنها لأن الحركة منها عيب عظيم.‏

التجهيز
ـ بعد أن يحصل والد العروس على المهر يبادر إلى شراء معدات الجهاز ويعطي قسماً من المال إلى زوجته لشراء الملابس الخاصة بالزفاف، فينصرف كل منهما إلى إتمام عمله استعداداً لإنهاء اللوازم ليوم الزفاف الذي سيعين فيما بعد باتفاق الطرفين بعد انتهاء إعداد كافة حوائجها.‏

فالزوجة تدعو بعض العارفات من النساء الخياطات وتستعين بهن على شراء ملابس العروس وتباشر بخياطتها وإنهائها ولابد من شراء ملابس للوالدة وشقيقات العروس أيضاً بتلك المناسبة، لذلك يضطر والد العروس أن يفادي بمبلغ كبير من الدراهم تضارع المهر بكامله. وقد تفضله إذ من المتعارف عليه أن يصرف والد الزوجة على جميع حاجاتها بالقدر الذي يستطيع حتى تكون حاجاتها تامة ولو أدى ذلك إلى بذل ما يبلغ أضعاف المهر المعين.‏

ثم أن والد العروس يعرض الأمر على أحد المنجدين وينزل معه إلى الأسواق لشراء الدامسكو. والمرآة والبرادي (الستائر) والمخدان من لون وجنس معين يحدده النساء ويشرن عليه به. ثم الصوف والقطن من أجل اللحف والفرش والمساند واللحاشات (نمارق) والبيرو أو الصندوق (على حسب نوعه وشكله) والبيرو كلمة أجنبية يستعملها الناس للدلالة على صندوق مستطيل مرتفع له دروج لوضع ثياب العروس، وعليه قطعة من الرخام الأبيض النقي وفوقه المرآة من جنس ولون معين، ثم أنواع الخزف (من صحون وزبادي63 وكازات (مصابيح) بللور زجاج ودع) ومتكآت خفيفة مطرزة مزركشة ثم وسادة لنوم العريس واللحاف الخفيف المزركش والشراشف والبشاكير اللائقة والسجاد والحصير.‏

وبعد أن يتم شراء هذه اللوازم تبقى بعهدة المنجد فيباشر بتنجيدها جميعاً ويودعها في دار العروس، وإذا كانت العروس والعريس ممن يقرأون كتاب الله تعالى يجعل لهم من لون الجهاز ثوباً للمصحف الشريف.‏

وأما والدة الزوجة فتبتاع القبقاب والكندرة ولوازم العروس الأخرى من كل ما تحتاج لشؤونها الخاصة، فإذا قاربت الحاجيات على الانتهاء وقبل يوم الزفاف بأسبوعين تكثر الاتصالات بين أهل العريس والعروس لمشاهدة نشاط كل منهما واستعدادهما تتقدم والدة العريس إلى أهل العروس بمبلغ من المال يسمى (تعيينيه) تسلم لهم، وتحدد يوم الزفاف نهائياً.‏

الحناء ـ بعد الانتهاء من ذلك تباشر والدة العروس بجلب كمية كبيرة من الحناء وتدعو صديقات ابنتها ليوم معين يسمى (يوم الحناء) وعندما يحضرن يتحنين مع العروس من قبل امرأة معينة تضع لها الحناء على قدميها ويديها وتفعل ذلك بصديقاتها، وتبدأ ليالي الأفراح التمهيدية، فتحضر طائفة من نساء الطرفين بدون دعوة خاصة فيسمرن ويغنين ويبتهجن، فإذا مضى أسبوع كامل على يوم الحناء دعت والدة العروس أيضاً صويحبات ابنتها ليوم معين يسمى (يوم النقش) حيث تحضر (النقاش) وتباشر فوق آثار الحناء في يدي العروس وقدميها بالنقش بالشمع المزيج مع مواد لزجة وتجعله بأشكال خطوط منكسرة ومتوازية إلى حذاء الكعبين وعلى أصابع الرجل، وهكذا في الكفين أيضاً، وبما أن هذا النقش يجري وهو حار لاذع تبدأ العروس في البكاء من شدة الألم، فتبادر النساء حولها بعملية التهوية بواسطة المراوح المعروفة65 ويتندرون66 لها بالنكات اللطيفة تخفيفاً عنها من آلام الحروق بالشمع ومعلمين على إضحاكها بالنكات والعبر. لاسيما وصويحباتها يشتركن بنقش أرجلهن كذلك ويتفاخرن بالتحمل والصبر فتخجل وتتحمل ولكن على مضض. فإذا مر ثلاثة أيام على هذا النقش عادت النقاشة فحلت الرباط عنها وأخذت تصحح بعض ما نقش منها ثانية وتزيل الشموع بالزيت فتبقى علائم النقش بارزة بألوانها البنية بشكل مألوف محبب للنساء.‏

الحمام والسماط ـ وفي هذه الفترة تدعو أم العروس أقاربها وأقارب أم العريس وتستعلم عددهم فتأخذ الحمام (حماية) على حسابها لا يدخله ذلك اليوم إلا المدعوون من أقارب الزوجين، وذلك في اليوم الأخير الذي سيتم مساء العرس ويكون زفافها على زوجها.‏

يذهب الجميع إلى الحمام ويقيمون فيه (السماط) وهو طعام خاص لكافة المستحمات فيه، حتى إذا كان العصر خرجت العروس وحولها الجميع بالزغاريد إلى دار أبيها أولاً كما سيأتي..‏

المنجد ـ أما المنجد فبعد أن يحصل على كافة اللوازم يحضر يومياً وعند الحاجة إلى دار العريس فيقيس ويفصل ويعاونه النساء على الخياطة حتى ينتهي من عمله في دار العروس: فإذا انتهى يعين يوم معين يسمى (يوم نقل الجهاز) حيث يتفق أهل العريس والعروس على أشخاص عمال يحملوه، ويجتمع المنجد في دار العروس مع كافة تلك الأشياء ويسمى (يوم الحزم) فيحزم المخدات (القش من الدامسكو المخاط على شكل جميل) على حده بالحبال الرفيعة (المرس) والمرآة على حده، والفرش واللحف والصحون والزبادي على طبلات خشبية، والبيرو والسجاد والحصيرة كل قسم منها فيحمله الحمالون من دار الزوجة إلى دار الزوج على هذا الترتيب:‏

1 ـ المختار والإمام ووجوه الحيز ويليهم بالترتيب

2 ـ حامل المصحف الشريف 

3 ـ فخلفه البقج الحريرية المزركشة بالصرمه

4 ـ حامل وسادة العريس

5 ـ حامل اللحف

6 ـ حامل الفرش

7 ـ حامل السجادة

8 ـ حامل المرآة

9 ـ حامل الصندوق أو البيرو

10 ـ حامل أواني الخزف.

ويكون عادة أكثر من واحد، وأكثر على حساب كثرتها طائفة من النساء ينتظرن وصول الجهاز، وعند دخول المنجد الدار تبدأ الزغاريد وكلها مدائح للمنجد فيشق طريقه بين النساء فيستقبل القادمين مع الجهاز فيجلسون على جانب ويستعرض المنجد حملة الأشياء واحداً فواحد69 ويشير إليه بوضع ما يحمل على ناحية معينة حتى ينتهي الجميع من وضع الأشياء على غير ترتيب داخل الغرفة المعدة للعريس، ثم يقفل الباب ويضع المنجد المفتاح بجيبه خوفاً من فضول بعض النسوة فينزعن  أو يلوثن أو يفسدن أو يسرقن. وبعد أن يتناول الحمالون أجورهم ويشربون مع المختار والوجوه المرطبات والقهوة يخرجون جميعاً مسرورين.‏

وفي اليوم التالي وهو اليوم الذي سيكون فيه العرس بعد غروب شمسه يذهب المنجد مع بعض صناعه فيفتح الغرفة ويعلق المرآة على الحائط ويثبتها تماماً فوق الصندوق أو البيرو المستطيل ثم يعمد إلى الستائر وهي قسمان، قسم منها من الشين الأبيض يسدل على النوافذ بما فيها باب الغرفة من الداخل، والقسم الآخر من نوع الجهاز وهي الطراريح الطويلة المعروفة باسم (طواطي) فتكون من الدامسكو الحرير نفسه، وهي متعرجة ومخاطة بشكل حلقوي  بسطوح دوائر مزمة ومنتهية بشرابات (طرر) من نفس اللون ومثبتة على قطع خاصة من الخشب يسمى (قدة) فيعقلها أيضاً على النوافذ. ثم يعمد إلى (القاطع) وهو من الخشب على جوانب الغرفة فيضع عليه الطواطي وفوقها الوسائد (المخدات) من جنسها. وفي القسم المقابل لباب الغرفة يضع (الدف) وهو قطع كبير مستطيلة على طول الجدار الغرفة ومصنوع من نوع الصندوق والمرآة وفيه تجاويف (دروج) تضع العروس فيه ملابسها وملابس زوجها. وبعد تثبيته أيضاً يضع في وسط الطوطاوية التي في النصدوق الدف اللحاشات (وسائد) المزركشة بصف جميل وفوقها لحاف العريس (الجودلي) ويكون مشغولاً ومدرباً تدريباً هندسياً فنياً جميلاً، فيضعه بشكل أشبه بالوعاء المعد للزهور وبشكل مثنى ثنيات لطيفة. وفوق ذلك سجادة الصلاة ووسادة العريس الخاصة ووسادة العروس الخاصة ويعلق كيس المصحف على الجدار فوق الصدر. ويضع الأواني الخزفية في تجاويف الحائط (مكتبات) و... والأواني الجميلة أمام المرآة فوق الصندوق والبيرو، ويضع السكملة75 أمام الصندوق وإلى جانبها أحذية العروس. ويستغرق هذا العمل معه من الصباح إلى وقت الظهر، فيتناول الطعام مع صناعه، ويخرج بين صفو المزغردات من النساء حيث يذهب إليه والد العروس ويحاسبه على المصاريف والأجور.‏

استعداد دار العريس ـ أما أهل العريس فيوزعون البطاقات قبل عشرة أيام على الأقل على المدعوات بعد استعلام العدد الكافي لأهل العروس، وتكون هذه البطاقات موقعة من والدة العريس ووالدة العروس . وذلك لتتمكن المدعوات من استحضار الألبسة الضرورية اللائقة بمشاطرة الأفراح. أما إذا كانت المدعوات من الأصحاب العاديين فيكفي إرسال البطاقة إليهن قبل خمسة أيام. والحكمة من ذلك أن قريبا العريس والعروس يحتجن إلى كسوة فاخرة ليكن إلى جانب العروس أو العريس في حفلة الزفاف ولا تكون كسوتهن أقل قيمة من لباسها. وهذا ما يحتاج للوقت الكافي لإنهاء خياطتها.‏

حمام العريس ـ ثم إن العريس يذهب مع طائفة من ذويه إلى الحمام على حسابه بعد أن يستدعي الحلاق (المزين) فيصلح شأنه ويعطيه حلوان حلاقة العريس، ويستعد بعد خروجه من الحمام لاستقبال طائفة كبرى من رجال الحي إلى طعام الغداء بعد أن يسبق ذلك دعوتهم بدون بطاقات، فإذا حضر هؤلاء أكلو وشربوا وقام فيهم والد العريس إلى الاشتراك بالعراضة بعد عشاء ليلة العرس مصطحباً كل معه فانوساً، فيذهب هؤلاء ليستعدوا إلى تلك المهمة، ومنهم من يستعد لإجراء تمارين على ألعاب النار وألعاب الحكم وألعاب السيف والترس وغيرها من الألعاب الأخرى.‏

وغالباً ما يصادف أن أحد أقارب العريس يكلف والد العريس بإجراء (التلبيسة) في داره وعلى حسابه، أو في دار أخرى أكثر اتساعاً للمدعوين. وعندها يبادر الضيف إلى إبلاغ الشباب والوجوه إلى الاجتماع إلى التلبيسة في داره ويهيء لها أنواع الحلوى والدخان والمقاعد. ويرسل من يأتيه بألبسة العريس الخاصة بليلة الزفاف فيستبقيها لديه. وعندما يؤدي الناس صلاة العشاء يتهافتون على دار التلبيسة كما سيأتي.‏

نشاط أهل العروس ـ أما أهل العروس فيدعون طائفة من النساء القريبات والصديقات كما مر آنفاً إلى الحمام ويصلحن شأنها  ثم يخرجن لها بالزغاريد حتى تصل إلى دار أبيها وهناك يعد لها مرتفعاً فخماً  تجلس عليه، وتأتي (الماشطة) فتسرح شعرها وتشبكه بأشكال مختلفة اللون والشكل خاصة بالعروس وكلها مزركش بالأحجار الكريمة، ثم تحفف وجهها ويديها ورجليها  وتضع عليها المساحيق والعطور، ثم تأتي بدهن أسود يدعى يسمى (خطيط) فتلون به حاجبي العروس. وتضع على وجهها بعض نقاط سود للزينة إذا لم يكن لها شامات! وكانت فاتحة اللون لا ترى من المساحيق كالبودرة والحمرة، ثم تطغى  على وجهها مسحوقاً ذراته لامعة يدعى (عرف الشباب) فإذا انتهت مهمة الماشطة تقدمت الخياطة فألبستها كسوتها وزينتها بأنواع المجوهرات المستعارة من الأصحاب فعلقتها على جيدها ومعصمها فإذا انتهت من ذلك وضعوا  عليها ستاراً شفافاً وأمروها ألا تتحرك ولا تنظر إلى أطرافها ولا تبتسم، فتبادر النساء إلى مشاهدتها على تلك الحالة، وفي جميع أدوار عمل الماشطة والخياطة لا تنقطع الزغاريد عنها.‏

وهنا لا يفوت بيت العريس أن يسائلوا  أهل العروس عن مقدار مدعواتهم ليرسلوا إليهم وسائط الركوب (العربات) إن كانت الدار بعيدة. وبعد أذان الغروب ينصرف كل الرجال من دار العريس ويبقى بعض الناس ليستعدوا إلى الاشتراك في التلبيسة. وهنا تذهب والدة العريس مع بعض النساء إلى دار العروس فيستقبلوهن85 بالزغاريد وتتجاوب أصداءها بينهم  بتوجيه المدائح المتقابلة، وبعد أن يستقر بهن المقام قليلاً يخرجن من غرفة فيتقدم والدها ومحارمها  لوداع العروس وإسداء بعض النصائح لها، ويظهرن فرحاً وألماً بوقت واحد، ثم العروس يخرجوا  وتدخل أم العروس وأم العريس والداية (القابلة) فقط إلى غرفة العروس ويكشفن عن موضع العفاف بها، وتبقى القابلة إلى جانب العروس لا تفارقها حسب العوائد حتى إذا أزفت ساعة الانتقال إلى دار العريس خرجن إلى المركبات فجعلن العروس وأمها وأم العريس والداية (القابلة) في مركبة وبقية المدعوات في مركبات أخرى  وتوجهن إلى دار العريس.‏

وإذا لم يكن هناك داع إلى المركبات سرن بها إلى دار العريس بين الهتاف والزغاريد، وعند بلوغها باب الدار، وقبل دخولها دار العريس يوضع لها كرسي تقف عليه وتعطي قطعة خميرة فتلصقها على أسكفة الباب  ثم تدخلها فيستقبلها النساء المنتظرات في دار العريس ويقفن في باحة الدار على شكل حلقة، فتدخل العروس ومدعواتها إلى الحلقة فيحتطن بها  في الباحة ويجرين بها (التفتيلة).‏

والتفتيلة عبارة عن اجتماع النساء في باحة الدار على شكل دوائر متحدة المركز خلف بعضها وبأيديهن الشموع الملونة الجميلة فترى هذه الدوائر النسائية الجميلة تدور بترتيب ونظام جميل وكلهن في أفخر الملابس كالحور العين وتنفرد إحداهن بصوتها الجميل وتردد الكلمات.... (سنأتي على ذكرها) فتردد النساء جميعاً وبصوت واحد تلك الألحان ثم يجلسن حول العروس ويتبادلن الأغاني حتى ساعة قدوم العريس.‏

التلبيسة ـ بعد أن يؤدي الرجال صلاة العشاء يتوجهون إلى دار التلبيسة ويتبادلون عبارات المسرات والتهاني وتمنيات الزواج للشباب العزب. وبعد ساعة أو ساعتين على الأكثر ينبري صاحب الدعوة وينادي العريس من بين الجميع إليه ويقبله ويحتاط  به والده وأعمامه وأصدقاؤه، فتفك وتنشر بقجة الملابس ويبدأ بنزع ملابسه الحالية ويبدأ صاحب الدار بتسليم الملابس الجديدة الفاخرة قطعة فقطعة. وكلما بدأ العريس بلباس قطعة صاحوا جميعاً (صلوا على محمد. مكحول العين. ومين يقدر يعادينا هيه.. هيه) على أن هذه الكلمات تحورت مع الزمن وفسدت ألفاظها فأصبحت هكذا (صلوا على محمد مكحول العين ونير واغضير وعادنا وهيه هيه).‏

تتمة




معدل القراءة: 2310



تعليقات وآراء القراء
ملاحظة: التعليقات والآراء المذكورة تعبر عن رأي أصحابها فقط

لا يوجد تعليقات حالياً